محمد متولي الشعراوي
11558
تفسير الشعراوي
واشترى ذممهم ، وإلا فماذا يلجئه إلى مبدأ باطل ، ويحمله على اتباعه ؟ إذن : لا بد أن يقبض الثمن أولاً . أما المبدأ الحق فيعلم صاحبه أن الثمن مُؤجَّل للآخرة ، فهو ممنَّى بأشياء فوق هذه الدنيا يؤمن بها ويعمل من أجلها ، فتهون عليه نفسه ، ويهون عليه ماله في سبيل هذا المبدأ . وفي رحلة الدعوة ، رأينا الكثيرين يتساقطون بالردة عندما تَحْدثُ لرسول الله آية أو هزة تهزُّ الناس ، وكأن الشدة غربال يميز هؤلاء وهؤلاء ، حتى لا يبقى تحت راية لا إله إلا الله إلا الصناديد الأقوياء القادرون على حمل هذا اللواء إلى العالم كله . فالله يقول لنبيه : اصبر على تكذيبهم وعلى إنكارهم وعلى ائتمارهم عليك ، فنحن مُؤيدوك ، ولن نتخلى عنك ، وقد وضح لك هذا التأييد حين جاهروك فانتصرت على جهرهم وبيَّتوا لك في الخفاء فانتصرتَ على تبييتهم ، واستعانوا حتى بالجن ليفسدوا عليك أمرك ، ففضح الله تدبيرهم ونجاك منهم . إذن : فاطمئن ، فنحن لهم بالمرصاد ، ولن نُسْلِمك أبداً ، بل وسوف نريك فيهم ما يستحقون من العقاب في الدنيا ، وتراه بعينك ، أو في الآخرة بعد موتك : { فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الذي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ } [ غافر : 77 ] . ومن هذا العقاب الذي نزل بهم في الدنيا ورآه سيدنا رسول الله ما حاق بهم يوم بدر من قَتْل وأسْر وتشريد ، وقلنا : إن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه وما أدراك ما عمر ، فقد كان القرآن ينزل على وَفْق رأيه ، ومع ذلك لما نزلت : { سَيُهْزَمُ الجمع وَيُوَلُّونَ الدبر } [ القمر : 45 ] تعجب وقال : أيُّ جمع هذا الذي سيُهزم ، ونحن عاجزون حتى حماية