محمد متولي الشعراوي

11556

تفسير الشعراوي

والحق - سبحانه وتعالى - ربٌّ يعين عبده على ما يحب ويلبي له رغبته ، حتى وإنْ كانت الكفر ، وهؤلاء أرادوا الكفر وأحبوه ، فأعانهم الله على ما أرادوا ، وختم على قلوبهم حتى لا يدخلها إيمان ، ولا يفارقها كفر . لذلك سبق أنْ حذَّرنا أصحاب المصائب ، أو الذين يفقدون عزيزاً ، حذرناهم أنْ يستديموا الحزن ، وأنْ يألفوه مخافة أنْ يوافقكم الله على هواكم في محبة الحزن وعِشْقه ، فتتوالى عليكم الأحزان وتتتابع المصائب ، إياكم ان تدعوا باب الحزن موارباً ، بل أغلقوه بمسمار الرضا ، فالحزن إنْ ظلَّ بك فلن يدعَ لك حبيباً . وكذلك نقول : إن شُغل عنك شخص فلا تُذكِّره بنفسك ، بل أَعِنْهُ على هجرك ، وساعده بألاَّ تذكره . فإذا قلتَ : إذا كان الحق سبحانه قد وصفهم بأنهم لا يعلمون ، فلماذا يختم على قلوبهم ، ولماذا يحاسبهم ؟ نقول : لأن عدم العلم نتيجة تقصيرهم ، فالحق سبحانه أقام لهم الأدلة والآيات الكونية الدالة على وجوده تعالى ، فلم ينظروا في هذه الآيات ولم يستدلوا بالأدلة على وجود الخالق القادر سبحانه ، وضرورة البلاغ من الله ، إذن : فعدم علمهم نتيجة غفلتهم وتقصيرهم . لكن ، ماذا بعد أنْ كذَّبوا الرسل وأنكروا الآيات ، أتتوقف مسيرة الدعوة ، لأنهم صَمُّوا آذانهم عنها ؟ لقد خلق الله الكون ونثر فيه الآيات التي تدل على وجود الإله الواحد الأحد ، وجعل فيه المعجزات التي تثبت صِدْق الرسُل في البلاغ عن الله ، والحق سبحانه لا ينتفع بهذه الآيات ؛ لأن مُلْكِه تعالى لا يزيد بطاعتنا ، ولا ينقص بمعاصينا ، فالمسألة تعود إلينا نحن أولاً وآخراً ، إذن : فالحسم في هذه