خالد فائق العبيدي
36
ومضات إعجازية من القرآن و السنة النبوية
بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ ( 6 ) ، ( الأنعام : 6 ) . . اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ ( 32 ) ، ( إبراهيم : 32 ) . وثمة مسألة أخرى مهمة تناولتها الآية المباركة في قوله تعالى : . . . فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها . . . ، فقد ذكر المفسرون أن المقصود بها أن تسيل هذه الأودية بمقدار طاقتها وحاجتها ، وهذا قول صحيح على وجه العموم ، إلا أن هناك معنى أعمق وأدق فيه إشارة واضحة إلى نظرية تعد من أهم نظريات علم المياه في وقتنا الحاضر هذا ، وهي نظرية الهيدروغراف القياسي في إيجاد العلاقة بين المطر والسيح . فكلمة أودية مفردها واد ، والذي يعرف بأنه مساحة الأرض التي تجمع المياه باتجاه مجرى نهري واحد ، ويسمى الواد اصطلاحا بحوض النهر ، والذي يمكن التعبير عنه بشكل آخر فنقول عبارة عن مساحة الأرض التي إن سقط عليها الماء قادته إلى مجرى النهر بفعل ميل سطحها ، إذ تمثل حافات النهر ( حافات الوادي ) أعلى منطقة فيه ، وعلى عكس ذلك فإن مجرى النهر يمثل أخفض منطقة في الوادي . كما أن لدرجة انحدار النهر أو ميل سطح حوض النهر أثرا كبيرا في اختلاف مقدار التصريف النهري ، فكما أن اللّه تعالى قدّر أحجام هذه الأودية فإنه سبحانه قدّر أشكالها وميولها كذلك ، وكل ذلك يؤثر مباشرة على كمية المياه الجارية في المجرى النهري خلال فترة زمنية محددة . كما وجاء في الآية المباركة نفسها . . . فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها . . . ، فأطلق الفعل على الأودية ولم يطلقه على الماء الذي يمثل بجريانه حقيقة الفعل ، فصوّر لنا هذا المجاز على أن الماء يسيل على جميع مساحة الوادي ولم يقتصر سيلانه على مساحة محددة منه . كما وأن لفظ ( فسالت ) جاءت لتعطي الصورة الحقيقة لحركة الماء التي ستكون على جانبي الوادي حركة طباقية بسمك قليل ، فهي تتحرك على جميع مساحة الوادي حركة خفيفة فتجمع مياهها شيئا فشيئا إلى أن تصب في مجرى النهر . . ونشير هنا أيضا إلى أن كلمة ( أودية ) جاءت بصيغة الجمع وكان من الممكن أن تأتي بصيغة المفرد كأن تقول ( سال كل واد بقدره ) ، مع إن السيل جاء بصيغة المفرد فقال تعالى . . . فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً . . . ، فالمعنى يوحي بأن الأودية قد جمعت الماء من