محمد متولي الشعراوي
10924
تفسير الشعراوي
وإنْ قابلوك هم بالقسوة حين قالوا : { مَا هاذآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بهذا في آبَآئِنَا الأولين } [ القصص : 36 ] فقابلهم أنت باللين . وتأمل هنا اللين وأدب الجدل عند موسى - عليه السلام - فلم يرد عليهم بالقسوة التي سمعها منهم ولم يتهمهم كما اتهموه ، إنما ردّ بهذا الأسلوب اللَّبِق ، وبهذا الإيحاء : { ربي أَعْلَمُ بِمَن جَآءَ بالهدى مِنْ عِندِهِ وَمَن تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدار . . . } [ القصص : 37 ] ولم يقُلْ : إني جئت بالهدى . ثم قال : { إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظالمون } [ القصص : 37 ] سواء كنا نحن أم أنتم ، ولم يقُلْ : أنتم الظالمون ، لقد أطلق القضية ، وترك للعقول أنْ تميز . ومعنى { عَاقِبَةُ الدار . . } [ القصص : 37 ] الدار يعني : الدنيا وعاقبتها تعني : الآخرة . وهذا الأدب النبوي في الجدل والحوار رأيناه في سيرة سيدنا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ مع كفار مكة والمعاندين له ، وقد خاطبه ربه : { وَلاَ تجادلوا أَهْلَ الكتاب إِلاَّ بالتي هِيَ أَحْسَنُ . . . } [ العنكبوت : 46 ] . والعلَّة أنك ستُخرجهم من الباطل الذي أحبوه وأَلفوه إلى الحق الذي يكرهون ، فلا تجمع عليهم شدتين ، لذلك في أشد ما كان إيذاء الكفار لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كان يقول : « اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون » .