محمد متولي الشعراوي

10349

تفسير الشعراوي

ومُلْكه تعالى لم يقتصر على الخَلْق ، فخَلَق الأشياء ثم تركها تؤدي مهمتها وحدها ، إنما خلقها وله تعالى قيومية على ما خلق ، وتصرّف في كل شيء ، فلا تظن الكون من حولك يخدُمك آلياً ، إنما هو خاضع لإرادة الله وتصرّفه سبحانه . فالماء الذي ينساب لك من الأمطار والأنهار قد يُمنع عنك ويصيب أرضك الجفاف ، أو يزيد عن حَدِّه ، فيصبح سيولاً تغرق وتدمر ، إذن : المسألة ليست رتابة خَلْق ، وليست المخلوقات آلاتٍ ( ميكانيكية ) ، إنما لله المْلك والقيومية والتصرُّف في كل ما خلق . ثم يقول سبحانه : { قَدْ يَعْلَمُ مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ } [ النور : 64 ] لفهم هذه الآية لا بُدَّ أن نعلم أن علاقة الحق تبارك وتعالى بالأحداث ليستْ كعلاقتنا نحن ، فنحن نعلم من علم النحو أن الأفعال ماضٍ ، وهو ما وقع بالفعل قبل أن تتكلم به مثل : جاء محمد ، ومضارع وهو إما للحال مثل : يأكل محمد . أو للاستقبال مثل : سيأكل محمد . أما بالنسبة لله تعالى ، فالأحداث سواء كلها مَاضٍ وواقع ، وقد تكلمنا في هذه المسألة في قوله تعالى : { أتى أَمْرُ الله فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ } [ النحل : 1 ] . ومعلوم أن الاستعجال يكون للأمر الذي يأْتِ بَعْد ، والقيامة لم تأتِ بعد لكن عبَّر عنها بالماضي ( أتى ) لأنه سبحانه لا يعوقه ولا يُخرجه شيء عن مراده ، فكأنها أتتْ بالفعل ، إذن : { فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ } [ النحل : 1 ] ليست منطقية مع كلامك أنت ، إنما هي منطقية مع كلام الله . كذلك في قوله تعالى : { قَدْ يَعْلَمُ مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ } [ النور : 64 ] فقد : للتحقيق ، ويعلم بالنسبة لله تعالى تعني عَلِم ، لكنه بالنسبة لك