محمد متولي الشعراوي
10893
تفسير الشعراوي
ومعنى : { عَن جُنُبٍ } [ القصص : 11 ] من ناحية بحيث لا يراها أحد ، ولا يشعر بتتبعها له ، واهتمامها به . ومن ذلك ما حكاه القرآن من قول السامري : { بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ } [ طه : 96 ] أي : رأى من حيث لا يطَّلِع أحد عليه . ونلحظ هنا أن أخت موسى أخذتْ الأمر من أمها { قُصِّيهِ } [ القصص : 11 ] فقط ولم تلفت نظرها إلى هذا الاحتياط { عَن جُنُبٍ } [ القصص : 11 ] مما يدلُّ على ذكاء الفتاة وقيامها بمهمتها على أكمل وجه ، وإن لم تُكلَّف بذلك ، وهذا من حكمة المرسَل الحريص على أداء رسالته على وجهها الصحيح . ما أجملَ ما قاله الشاعر في هذا المعنى : إذَا كُنْتَ في حَاجةٍ مُرْسِلاً . . . فأَرسِلْ حَكيماً ولاَ تُوصِهْ وقوله تعالى : { عَن جُنُبٍ } [ القصص : 11 ] يظن البعض أن جنب يعني قريب مني ، وهذا غير صحيح ؛ لأن معنى الجنب ألاَّ تكون في مواجهتي ، لذلك يقول تعالى : { والجار ذِي القربى والجار الجنب } [ النساء : 36 ] إذن : الجار الجنب مقابل الجار القريب ، فمعناه الجار البعيد . فكأن الفتاة حين ذهبت لتتبع سَيْر التابوت أخذتْ مكاناً بعيداً منه ، حتى لا يفطن أحد إلى متابعتها له . ومن ذلك قولنا : ( فلان تجنّبني ، أو فلان واخد جنب مني ) أي : يبتعد عني ، إذن : البعض يفهم هذه الكلمة على عكس مدلولها . ألاَ ترى لقول إبراهيم عليه السلام : { واجنبني وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأصنام } [ إبراهيم : 35 ] وقوله تعالى : { واجتنبوا قَوْلَ الزور } [ الحج : 3 ] فالاجتناب يعني : الابتعاد .