محمد متولي الشعراوي
10862
تفسير الشعراوي
موضع العزة والشموخ ، فالحق تبارك وتعالى يريد لهم الذلَّة والمهانة ، وفي موضع آخر يُبيِّن أن كل الأعضاء ستكبُّ في النار ، فيقول تعالى : { فَكُبْكِبُواْ فِيهَا هُمْ والغاوون } [ الشعراء : 94 ] . وليس هذا المصير ظلماً لهم ، ولا افتراءً عليهم { هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } [ النمل : 90 ] وكما يقول سبحانه : { لاَ ظُلْمَ اليوم } [ غافر : 17 ] فلم نجامل صاحب الحسنة ، ولم نظلم صاحب السيئة . فما دام أن الله تعالى أعطانا هذه المعلومات التي تلفتنا إلى قدرته في آياته الكونية ، وذكَّرنا بالآخرة ، وما فيها من الثواب والعقاب ، فما عليك إلا أنْ تلتزم ( عرفت فالزم ) واعلم أن مَنْ أبلغك منهج الله سيسبقك إلى الالتزام به ، فالشرع كما أمرك أمرني . { إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البلدة } [ النمل : 91 ] فإنْ طلبتُ منكم شيئاً من التكاليف فقد طالبتُ نفسي به أولاً ؛ لأنني واثق بصدق تبليغي عن الله ؛ لذلك ألزمتُ نفسي به . والعبادة كما قلنا : طاعة العابد للمعبود فيما أمر وفيما نهى ؛ لأن ربك خلقك من عَدَم ، وأمدك من عُدْم ، ونظّم لك حركة حياتك ، فإنْ كلَّفك فاعلم أن التكليف من أجلك ولصالحك ؛ لأنه رب مُتولٍّ لتربيتك ، فإنْ تركك بلا منهج ، وبلا افعل ولا تفعل ، كانت التربية ناقصة . إذن : من تمام الربوبية أن يوجهني ربي كما نُوجِّه نحن أولادنا الصغار ونُربِّيهم ، ومن تمام الربوبية أن توجد هذه الأوامر وهذه