محمد متولي الشعراوي
10832
تفسير الشعراوي
كما قال الحق سبحانه وتعالى : { وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الغيب لاَ يَعْلَمُهَآ إِلاَّ هُوَ } [ الأنعام : 59 ] . والغيب : كلّ ما غاب عن إدراكك وحِسِّْك ، لكن مرة يكون الغيب غيباً إضافياً يغيب عنك ، ولا يغيب عن غيرك ، فأنا لا أعرف مثلاً ما في جيوبكم لكن أنتم تعرفون ، والذي سُرِق منه شيء وأخفاه السارق ، فالمسروق منه لا يعلم أين هو ، لكن السارق يعلم . وإما يكون الغيب غيْباً مطلقاً ، وهو ما غاب عنّا جميعاً وهو قسمان : قسم يغيب عنا جميعاً ، لكن قد نكتشفه ككل الاكتشافات التي اهتدى إليها البشر . وهذه يكون لها مقدمات تُوصِّل إليها ، وهذا غيب نصف إضافي ؛ لأنه غيب اليوم لكن نراه مشهداً بعد ذلك ، فلا يكون غيباً . ومثال ذلك : تمرين الهندسة الذي نعطيه للأولاد بمقدِّمات ومعطيات ، يُعمِلون فيها عقولهم حتى يتوصلوا إلى الحل المطلوب ، وهذا النوع يقول الله عنه : { وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَآءَ } [ البقرة : 255 ] . فإذا شاء الله وجاء ميلاد هذا الغيب أطلعهم الله تعالى على المقدمات التي توصِّل إليه ، إما بالبحث ، وإما حتى مصادفة ، وهذا يؤكده قوله تعالى : { سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفاق وفي أَنفُسِهِمْ حتى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحق } [ فصلت : 53 ] . ومن الغيب المطلق غَيْب حقيقي ، لا يطلع عليه ولا يعلمه إلا الله فقد استقبل سبحانه وتفرَّد بمعرفته ، وهذا الغيب يقول تعالى عنه : { عَالِمُ الغيب فَلاَ يُظْهِرُ على غَيْبِهِ أَحَداً إِلاَّ مَنِ ارتضى مِن رَّسُولٍ } [ الجن : 2627 ] .