محمد متولي الشعراوي
10817
تفسير الشعراوي
ولو أنها خُلِقَتْ على هيئة الثبات والاستقرار لما احتاجتْ إلى الجبال ، إذن : هي مخلوقة على هيئة الحركة ، ولا بُدَّ لها من مُثقِّلات . ولا تقتصر الحكمة من خَلْق الجبال على تثبيت الأرض ، إنما لها مهمة أخرى في قوله تعالى : { والجبال أَرْسَاهَا مَتَاعاً لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ } [ النازعات : 3233 ] . فكيف تكون الجبال متاعاً للإنسان وللحيوان ؟ نعم ، هي متاع ؛ لأنها مخزن مياه ، حينما ينقطع المطر نجد المياه التي تساقطت على الجبال ، إما في الأنهار ، وإما في الشلالات ، وخلف السدود بين الوديان ، أو في العيون والآبار مما امتصته الأرض . وكما أن الجبال هي مخازن للمياه ، هي أيضاً مخازن للخصوبة التي تمدُّ الأرض الزراعية عاماً بعد عام بقدر ، بحيث تستمر خصوبة الأرض ، وسبق أنْ تكلمنا عن ظاهرة التعرية التي تُفتِّت الطبقة العليا من الصخور ، فتنزل إلى الوديان مع ماء المطر ، وتختلط بالتربة الزراعية فتزيد من خصوبتها . ولولا صلابة الجبال وتماسك صخورها لتفتتتْ في عدة سنوات ، ولفقدنا مصدر الخصوبة بعد ذلك ، فهذه الظاهرة من علامات رحمة الله بخَلْقه ؛ لأنها تتناسب مع الزيادة السكانية بحيث كلما زاد السكان زادتْ الرقعة الخصبة الصالحة للزراعة . وسبق أنْ قُلْنا : إنك حين تتأمل وضع الجبال مع الوديان تجد أن الجبل مُثلث قاعدته إلى أسفل ، وقمته إلى أعلى ، أما الوديان فعلى عكس الجبال ، فهي مثلث قاعدته إلى أعلى وقمته إلى أسفل ، وهكذا