محمد متولي الشعراوي
10812
تفسير الشعراوي
تبارك وتعالى يقول لهم : آلله خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء . . أم ما تشركون ؟ وما دام أن الله تعالى ادَّعى مسألة الخَلْق لنفسه سبحانه ، ولم يَقُمْ لهذه الدعوى منازع ، فقد ثبتتْ له سبحانه إلى أنْ يدَّعيها غيره { أإله مَّعَ الله } [ النمل : 60 ] فإنْ كان هناك إله آخر خلق الخَلْق فأين هو : إما أنه لم يَدْر بهذه الدعوى ، أو دَرَى بها وجَبُن عن المواجهة ، وفي كلتا الحالتين لا يصلح إلهاً ، وإلا فليأت هو الآخر بخَلْق ومعجزات أعظم مما رأينا . فإذا قال الله تعالى أنا الله ، ولا إله غيري ، والخَلْق كله بسمائه وأرضه صنعتي ، ولم يوجد معارض ، فقد ثبتت له القضية ؛ لذلك يقول سبحانه : { شَهِدَ الله أَنَّهُ لاَ إله إِلاَّ هُوَ والملائكة وَأُوْلُواْ العلم } [ آل عمران : 18 ] . فقضية الوحداينة شهد الله أولاً بها لنفسه ، ثم شهد بها الملائكة أولو العلم من الخَلْق . ويقول سبحانه في تأكيد هذا المعنى : { قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لاَّبْتَغَوْاْ إلى ذِي العرش سَبِيلاً } [ الإسراء : 42 ] . أي : لاجتمع هؤلاء الآلهة ، وثاروا على الإله الذي أخذ منهم مُلْكهم ، وادعاه لنفسه ، أو لذهبوا إليه ليتقرَّبوا منه ويتودّدوا إليه . وقوله تعالى : { وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ السماء مَآءً } [ النمل : 60 ] السماء : كلُّ ما علاك فأظلَّك ، والماء معروف أنه ينزل من السحاب وهو مما علانا ، أو أن الإنزال يعني إرادة الكون ، وإرادة الكون في كل كائن تكون من السماء ، ألاَ ترى قوله تعالى : { لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بالبينات وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الكتاب والميزان لِيَقُومَ الناس بالقسط } [ الحديد : 25 ] . وقوله تعالى : { وَأَنزَلْنَا الحديد فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ } [ الحديد : 25 ] ومعلوم أن الحديد يأتي من الأرض ، لكن إرادة كونه تأتي من السماء .