محمد متولي الشعراوي

10634

تفسير الشعراوي

المصانع تُطلَق على موارد الماء ، وتطلق على الحصون ، لماذا . قالوا : لأن الحصون لا تُبنَى للإيواء فقط ؛ لأن الإيواء يمنع الإنسان من هوام الحياة العادية ، أمّا الحصون فمتنعه أيضاً من الأعداء الشرسين الذي يتربصون به ، فكأنهم جعلوها صنعة مثمرة ، لماذا ؟ { لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ } [ الشعراء : 129 ] يعني : أتبنون هذه الحصون هذا البناء القوي المسلح تريدون الخلود ؟ وهل أنتم مُخلَّدون في الحياة ؟ إن فترة مُكْث الإنسان في الدنيا يسيرة لا تحتاج كل هذا التحصين ، فهي كظلِّ شجرة ، سرعان ما يزول . والبَطْش : الأخْذُ بشدة وبعنف ، يقول تعالى : { إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيد } [ البروج : 12 ] ويقول : { أَخْذَ عِزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ } [ القمر : 42 ] . لأن الأَخْذ يأخذ صُوراً متعددة : تأخذه بلين وبعطف وشفقة ، أو تأخذه بعنف . ثم يزيدهم صفة أخرى تؤكد بَطْشهم { بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ } [ الشعراء : 130 ] . لأنك قد تأخذ عدوك بعنف ، لكن بعد ذلك يرقُّ له قلبك ، فترحم ذِلَّته لك ، فتُهوِّن عليه وترحمه ، لكن هؤلاء جبارون لا ترقّ قلوبهم . وهذه الصفات الثلاثة السابقة لقوم هود : { أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ } [ الشعراء : 128130 ] .