محمد متولي الشعراوي

10304

تفسير الشعراوي

فلن يُعوِّضه عنها شيء حتى إنْ كسب العالم كله ؛ لأن المجتمع لا يكون معك طول الوقت ، أمّا نفسك فملازمة لك كل الوقت لا تنفك عنها ، فأنا كبير أمام الناس ما دُمْت معهم ، أمّا حين أختلي بنفسي أجدها حقيرة : فعلتْ كذا ، وفعلت كذا . إذن : أنت حكمتَ أنّ رأى الناس أنفَسُ من رأيك ، ولو كان لرأيك عندك قيمة لحاولت أن يكون رأيك في نفسك صحيحاً ، لكن أنت تريد أن يكون رأي الناس فيك صحيحاً ، وإنْ كان رأيك عند نفسك غير ذلك . ويقول تعالى في هؤلاء : { أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يتحاكموا إِلَى الطاغوت وَقَدْ أمروا أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشيطان أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً } [ النساء : 60 ] . فقد حكم عليهم أنهم يزعمون ، والزعم مطيّة الكذب ، والدليل على أنهم يزعمون أنهم يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت ، ولو كانوا مؤمنين بما أُنزِل إليك وما أُنزِل من قبلك ما تحاكموا إلى الطاغوت ، وهكذا فضحوا هم أنفسهم ، فالثانية فضحتْ الأولى . لذلك قالوا : إن الكافر أحسن منهم ؛ لأنه منسجم الملَكات : قلبه موافق للسانه ، قلبه كافر ولسانه كذلك ، ومن هنا كان المنافقون في الدَّرْك الأسفل من النار . والحق تبارك وتعالى يعطينا صورة ونموذجاً يحذرنا ألاَّ نحكم على القول وحده ، فيقول تعالى عن المنافقين : { إِذَا جَآءَكَ المنافقون قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ الله والله يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ والله يَشْهَدُ إِنَّ المنافقين لَكَاذِبُونَ } [ المنافقون : 1 ] .