محمد متولي الشعراوي
10588
تفسير الشعراوي
لكن هذا البحث من إبراهيم ، وهذا الجدل مع أبيه وقومه ، أكان بعد الرسالة أم قبلها ؟ قالوا : إن إبراهيم عليه السلام كان ناضجاً مُتفتِّحاً منذ صِغَره ، وكان مُنكراً لهذه العبادة قبل أن يُرسَل ، لذلك قال الله عنه : { وَلَقَدْ آتَيْنَآ إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ } [ الأنبياء : 51 ] . وكذلك كان نبينا محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قبل بعثته كارهاً للأصنام ، معترضاً على عبادتها ، يتعجب حين يرى قومه يعبدونها ، وقد رأى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أحد الآلهة وقد كُسر ذراعه فاستعانوا بمَنْ يُصلح ذراع الإله ، فضحك رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وتعجَّب لما يرى : العابد يصلح المعبود ؟ بعدها اعتزلهم رسول الله ، ولجأ إلى الغار يفكر في الإله الحق والمعبود الحق . فكأن أيَّ دين يأمر الله به لو تفكَّر فيه الإنسان برشد لانتهى إلى الحق بدون رسول ؛ لأن دين الله هو دين الفطرة السليمة ، فإنْ توفَّرت لدى الإنسان هذه الفطرة اهتدى بها إلى الحق . بدليل ما كان يحدث من عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه وكان يُحدث رسول الله بالأمر ، فتتنزل به الآيات من عند الله ، وقد وافقتْ الآيات رأيه في أكثر من موقف ، وقد أقرَّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ذلك ليبين لنا أن العقل السليم والفطرة المستقيمة يمكن أنْ ينتهيا إلى قضايا الدين دون رسول .