محمد متولي الشعراوي

10518

تفسير الشعراوي

ومعلوم أن قَوْل الزور والشهادة بغير حق تقلب الحقائق وتضرُّ بالمجتمع ؛ لأنك حين تشهد بالزُّور تأخذ الحق من صاحبه وتعطيه لغيره ، وهذا يؤدي إلى تعطل حركة الحياة ، وتجعل الإنسان لا يأمن على ثمار تعبه وعرقه ، فيحجم الناس عن السعي والعمل ما دامت المسألة زوراً في النهاية . لذلك قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ : « ألا أُنبئكم بأكبر الكبائر ؟ الإشراك بالله ، وعقوق الوالدين ، وشهادة الزور ، وكان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ متكئاً فجلس ، فما زال يكررها حتى قلنا : ليته سكت » . لماذا ؟ لأن شهادة الزُّور تهدم كُلَّ قضايا الحق في المجتمع . ثم يقول سبحانه : { وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً } [ الفرقان : 72 ] اللغو : هو الذي يجب في عُرْف العاقل أنْ يُلْغى ويُتْرك ، وهو الهُراء الذي لا فائدة منه ؛ لذلك قال فيمن يتركه { مَرُّوا كِراماً } [ الفرقان : 72 ] والكرام يقابلها اللئام ، فكأن المعنى : لا تدخل مع اللئام مجالَ اللغو والكلام الباطل الذي يُصادِم الحق ليصرف الناس عنه . ومن ذلك ما حكاه القرآن عن الكفار ليصرفوا الناس عن الاستماع لآيات الذكر : { لاَ تَسْمَعُواْ لهذا القرآن والغوا فِيهِ } [ فصلت : 26 ] يعني : شوِّشوا عليه حتى لا يتمكّن الناس من سماعه ، وهذه شهادة منهم بأنهم لو تركوا آذان الناس على طبيعتها وسجيتها فسمعت القرآن ، فلا بُدَّ أن ينفعلوا به ، وأن يؤمنوا به ، ولو لم يكُنْ للقرآن أثر في النفوس ما قالوا هذه المقولة .