محمد متولي الشعراوي
10296
تفسير الشعراوي
{ ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ } [ النور : 43 ] أي : يجمع بعضه على بعض ، وحين يُجمع الشيء بعضه على بعض لا بُدَّ أن يبقى بينه فاصل ، فلا يلتحم بغيره التحاماً تاماً ، ولولا هذه الفواصل بين قِطَع السحاب ، ولولا هذه الفتوق ما نزل الوَدَق من خلاله . ولو شاء سبحانه لجعل السحاب قطعة واحدة ، ولكنه سبحانه يؤلف بينه ويُجمِّعه بعضه على بعض دون أنْ يُوحِّده تكويناً ، فيحدث بذلك فراغاً بين قطع السحاب . أرأيتَ حين نلصق الورق بالصمغ مثلاً فمهما وضعت عليه من ثقل لا بُدَّ أن يبقى بينه فراغات ؛ لأنه ليس ذاتاً واحدة . وعملية تفريغ الهواء هذه تلاحظها حين تضع كوباً مبلولاً وتتركه لفترة ، فيتبخر الماء من تحته ويخرج الهواء ، فإذا أردْتَ رفعه وجدته صعباً لماذا ؟ لتفريغ الهواء من تحت قاعدة الكوب ، وفي هؤلاء الذين يعالجون الآلام الناتجة عن البرد ، فيضعون الكوب مقلوباً على مكان الألم ، ثم يُشعِلُون بداخله قطعة من القماش مثلاً لتحرق الهواء بداخل الكوب . وبذلك نمنع الخلل في التقاء الكوب بالجسم ، وهذه المسألة هي سِرُّ عظمة قدماء المصريين في البناء ، حيث تتماسك الحجارة دون وجود ( مونه ) تربط بينها . إذن : وجود الهواء بين الشيئن يُحدِث خللاً بينهما ، ولولا هذا الخلل في السحاب ما نزل منه الماء ، والمطر آية عظيمة من آيات الله لا نشعر بها ، ولك أنْ تتصور كم يُكلِّفنا كوب الماء المقطّر حين نُعِدُّه في المعمل ، فما بالك بالمطر الذي يسقي الأرض كلها ؟ ثم يقول تعالى : { ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً } [ النور : 43 ] يعني : مُكدَّساً