محمد متولي الشعراوي

10501

تفسير الشعراوي

وفي موضع آخر يقول تعالى في هذه المسألة : { وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلاَ تَمْشِ فِي الأرض مَرَحاً } [ لقمان : 18 ] { إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأرض وَلَن تَبْلُغَ الجبال طُولاً } [ الإسراء : 37 ] . وتصعير الخدِّ أنْ تُميله كِبْراً وبَطَراً وأصله ( الصعر ) مرض في البعير يصيب عنقه فيسير مائلاً ، ومَنْ أراد أن يسير مُتكبِّراً مختالاً فليتكبر بشيء ذاتي فيه ، وهل لديك شيء ذاتي تستطيع أن تضمنه لنفسك أو تحتفظ به ؟ إنْ كنتَ غنياً فقد تفتقر ، وإنْ كنتَ قوياً صحيحاً قد يصيبك المرض فيُقعدك ، وإنْ كنتَ عزيزاً اليوم فقد تذلّ غداً . إذن : فكل دواعي التكبُّر ليست ذاتية عندك ، إنما هي موهوبة من الله ، فعلامَ التكبُّر إذن ؟ { لذلك يقولون في المثل ( اللي يخرز يخرز على وركه ) إنما يخرز على ورك غيره ؟ } وأصل هذا المثل أن صانع السروج كان يأتي بالصبي الذي يعمل تحت يده ، ويجعله يمدّ رِجله ، ويضع السرج على وركه ، ثم يأخذ في خياطته ، فرآه أحدهم فرَقَّ قلبه للصبي فقال للرجل : إنه ضعيف لا يتحمل هذا ، فإنْ أردتَ فاجعله على وركك أنت . كذلك الحال هنا ، مَنْ أراد أن يتكبّر فليتكبّر بشيء ذاتي فيه ، لا بشيء موهوب له . والمتكبِّر شخص ضُرِب الحجاب على قلبه ، فلم يلتفت إلى ربه الأعلى ، ويرى أنه أفضل من خَلْق الله جميعاً ، ولو استحضر كبرياء ربه لاستحى أن يتكبر على خَلْق الله ، فتكبُّره دليل على غفلته عن هذه المسألة . لذلك يقول الناظم : فَدَع كُلَّ طاغِيةٍ للزمَان . . . فَإِنَّ الزمَانَ يُقيم الصَّعَرْ يعني : سيرَى من الزمان ما يُقوِّم اعوجاجه ، ويُرغِم أنفه .