محمد متولي الشعراوي
10274
تفسير الشعراوي
فأكمل أبو تمام على البديهة وبنفس الوزن والقافية : لاَ تُنكروا ضَرْبي لَهُ مَنْ دُونَهُ مثَلاً . . . شَرُوداً في النَّدَى والبَاسِ فَاللهُ قَدْ ضربَ الأقلَّ لنُورِهِ . . . مَثَلاً من المشْكَاةِ والنِّبراسِ فالله تبارك وتعالى هو نور السماوات والأرض أي : مُنوِّرهما ، وهذا أمر واضح جداً حينما تنظر إلى نور الشمس ساعة يظهر يجلو الكون ، بحيث لا يظهر معه نور آخر ، وتتلاشى أنوار الكواكب الأخرى والنجوم رغم وجودها مع الشمس في وقت واحد ، لكن يغلب على نورها نور الشمس ، على حَدٍّ كقول الشاعر في المدح : كأنكَ شَمْسٌ والمُلوكُ كَواكبٌ . . . إذَا ظَهَرتْ لَمْ يَبْدُ منهُنّ كوكَبُ ثم يقول سبحانه : { نُّورٌ على نُورٍ } [ النور : 35 ] فلم يتركنا الحق سبحانه وتعالى في النور الحسيِّ فقط ، إنما أرسل إلينا نوراً آخر على يد الرسل هو نور المنهج الذي ينظم لنا حركة الحياة ، كأنه تعالى يقول لنا : بعثت إليكم نوراً على نور ، نور حِسيِّ ، ونور قيمي معنوي ، وإذا شهدتم أنتم بأن نوري الحسيّ ينير لكم السماوات والأرض ، وإذا ظهر تلاشت أمامه كل أنواركم ، فاعلموا أن نور منهجي كذلك يطغَى على كل مناهجكم ، وليس لكم أن تأخذوا بمناهج البشر في وجود منهج الله . وقوله تعالى : { يَهْدِي الله لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ } [ النور : 35 ] أي : لنوره المعنوي نور المنهج ونور التكاليف ، والكفار لم يهتدوا إلى هذا النور ، وإنِ اهتدوا إلى النور الحسيِّ في الشمس والقمر وانتفعوا به ، وأطفأوا له مصابيحهم ، لكن لم يكُنْ لهم حظ في النور المعنوي ، حيث أغلقوا دونه عيونهم وقلوبهم وأسماعهم فلم ينتفعوا به . وكان عليهم أن يفهموا أن نور الله المعنوي مِثْلُ نوره الحسي لا يمكن الاستغناء عنه ، لذلك جاء في أثر علي بن أَبي طالب : « من تركه من جبَّار قصمه الله ، ومن ابتغى الهدي في غيره أضله الله » .