محمد متولي الشعراوي
10453
تفسير الشعراوي
يعدل عن هواه ؛ لأن الأهواء مختلفة ، فالبعض يريد أنْ يتمتع بجهد غيره ، فيضع يده في جيوب الآخرين ليسرقهم ، لكن أيسرُّه أن يفعل الناسُ معه مثلَ فِعْله معهم ؟ إذن : هوى صادمَ هوى ، فأَيُّهما يغلب ؟ يغلب مَنْ يحكم بلا هوى ، لا لك ولا عليك ، وقضية الحق في ذاتها لا توجد إلا من الله تعالى . ثم يقول الحق سبحانه : { أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ } { يَسْمَعُونَ } [ الفرقان : 44 ] أي : سماع تعقُّل وتدبُّر ، فلو سَمعُوا وعَقِلوا ما وصلتْ بهم المسائل إلى هذا الحدِّ { إِنْ هُمْ إِلاَّ كالأنعام } [ الفرقان : 44 ] مع أن الأنعام مُسخَّرة وتُؤدِّي مهمتها ولم تمتنع عن شيء خُلِقَتْ له ، فقد شبَّههم الله بالأنعام ؛ لأن الأنعام لا يُطلب منها أن تسمع الهداية لأنها مُسخَّرة ، والذي يُطلب منه السماع والهداية هو المخيِّر بين أن يفعل أو لا يفعل . كأن الحق سبحانه يقول : أتظن أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون ؟ وكلمة { أَكْثَرَهُمْ } [ الفرقان : 44 ] تدل على أن بعضهم يسمع ويعقل ، وهذا من قانون الاحتمال ، فكثير من كفار قريش ناصبوا رسول الله العداء ، وانتهى الأمر بهم إلى أَنْ أسلموا وحَسُن إسلامهم ، إذن : كان فيهم مَنْ يسمع ، ومَنْ يفكر ويعقل ؛ لذلك قال : { أَكْثَرَهُمْ } [ الفرقان : 44 ] ليحمي هذا الحكم ، وليحتاط لما سيقع من إيمان هؤلاء البعض ، هذا دِقَّة في تحرِّي الحقيقة .