محمد متولي الشعراوي

10437

تفسير الشعراوي

على رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِي على أَرْبَعٍ يَخْلُقُ الله مَا يَشَآءُ إِنَّ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } [ النور : 45 ] . إذن : المشْي لا ينحصر في الحالات التي نعرفها فقط ، إنما هي طلاقة القدرة التي تفعل ما تشاء . لكن ، لماذا لم يذكر القرآن أسماء هؤلاء الأشخاص الظالمين المعاندين للإسلام ؟ قالوا : هذا من باب إرخاء العِنَان للخَصْم ، وكلمة ( العنان ) تأتي بكسر العين وفتحها ، واللغويون يقولون : هي على وزن ما هي بمعناه ، فإنت قصدتَ بها عَنان السماء فهي على وزن سَحَاب ، وإن أردتَ بها عِنان الفرس ، فهي على وزن لِجَام . وراكب الدابة إنْ أرخى لها العِنان تركها تسير كما تشاء ، كذلك الحق تبارك وتعالى يُرخِي للخصم العِنان ليقول كل ما عنده ، وليأخذه إلى جانبه ، لا بما يكره ، بل بما يحب . وقد علَّم الله تعالى رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كيف يردُّ عليهم ويجادلهم الجدل الهادىء بالتي هي أحسن . فحين قالوا عنه مفتر ، وعن القرآن مُفترىً ومكذوب ردّ عليهم : { أَمْ يَقُولُونَ افتراه قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ } [ يونس : 38 ] . ثم يترقَّى في جدالهم : { أَمْ يَقُولُونَ افتراه قُلْ إِنِ افتريته فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَاْ برياء مِّمَّا تُجْرِمُونَ } [ هود : 35 ] وفي آية أخرى يرد عليهم : { وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لعلى هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ } [ سبأ : 24 ] . وهل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لا يعرف مَنْ على الهدى ومَنْ على الضلال ؟ لا شكَّ أنه إرخاء العِنان للخصم ، يقول لهم : أنا وأنتم على طَرَفي نقيض : أنا أقول بإله واحد وأنتم تُكِّذبون قولي ، فأنا متناقض معكم في هذه القضية ، والقضية لا بُدَّ أن تأتي على شكل واحد ، فإمَّا أنا على الهدى ، وإمّا أنتم ، وأنا لا أدّعي الحق لنفسي .