محمد متولي الشعراوي

10410

تفسير الشعراوي

أجابهم الله كذّبوا ، مع أن الآيات والمعجزات ليست باقتراح المرسل إليهم ، إنما تفضُّل من الله تعالى واهب هذه الرسالة . والاستكبار مادته الكاف والباء والراء . وتأتي بمعانٍ عِدَّة : تقول كَبَرَ يكْبَر أي : في عمره وحجمه ، وكَبُر يكبُر أي : عَظُم في ذاته ، ومنها قوله تعالى : { كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ } [ الكهف : 5 ] . وتكبَّر : أظهر صفة الكبرياء للناس ، واستكبر : إذا لم يكُنْ عنده مؤهلات الكِبر ، ومع ذلك يطلب أن يكون كبيراً . فالمعنى { استكبروا } [ الفرقان : 21 ] ليس في حقيقة تكوينهم إنما { استكبروا في أَنفُسِهِمْ } [ الفرقان : 21 ] في أنهم يتبعُون الرسول ، أي : أنها كبيرة عليهم أن يكونوا تابعين لرجل يروْنَ غيره أغنى منه أو أحسن منه ( على زعمهم ) . ونرى مثلاً أحد الفتوات الذي يخضع له الجميع إذا ما رأى مَنْ هو أقوى منه انكمشَ أمامه وتواضع ؛ لأنه يستكبر بلا رصيد وبشيء ليس ذاتياً فيه . . إذن : المتكبر بلا رصيد غافل عن كبرياء ربه ، ولو استشعر كبرياء الله عَزَّ وجَل لاستحَى أنْ يتكبّر . لذلك نرى أهل الطاعة والمعرفة دائماً منكسرين ، لماذا ؟ لأنهم دائماً مستشعرون كبرياءَ الله ، والإنسان ( لا يتفرعن ) إلا إذا رأى الجميع دونه ، وليس هناك مَنْ هو أكبر منه . فينبغي ألا يَتكبَّر الإنسان إلا بشيء ذاتي فيه لا يُسلبَ منه ، فإن استكبرت بِغنَاك فربما افتقرتَ ، وإنِ استكبرتَ بقوتك فرُبّما أصابك المرض ، وإنِ استكبرتَ بعلمك لا تأمنْ أن يُسلبَ منك لكي لا يعلم من بعد علم شيئاً . ومن لُطْف الله بالخَلْق ورحمته بهم أنْ يكون له وحده الكبرياء ،