محمد متولي الشعراوي
10407
تفسير الشعراوي
وقولهم : { لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْنَا الملائكة أَوْ نرى رَبَّنَا } [ الفرقان : 21 ] وهذا يدلّ على تكبُّرهم واعتراضهم على كَوْن الرسول بَشَراً ، وفي موضع آخر قالوا : { أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا } [ التغابن : 6 ] . إذن : كل ما يغيظهم أن يكون الرسول بشراً ، وهذا الاستدراك يدلُّ على غبائهم ، فلو جاء الرسول ملَكاً ما صَحَّ أن يكون لهم قدوة ، وما جاء الرسول إلا ليكون قُدْوةً ومُعلِّماً للمنهج وأُسْوة سلوك ، ولو جاء ملَكاً لأمكنه نعم أنْ يُعلِّمنا منهج الله ، لكن لا يصح أنْ يكون لنا أُسْوة سلوك ، فلو أمرك بشيء وهو مَلَك لَكان لك أنْ تعترض عليه تقول : أنت مَلَكٌ تقدر على ذلك ، أمَّا أنا فبشر لا أقدر عليه . فالحق سبحانه يقول : لاحظوا أن للرسل مهمتين : مهمةَ البلاغ ، ومهمة الأُسْوة السلوكية ، فلو أنهم كانوا من غير طبيعة البشر لتأتّى لهم البلاغ ، لكن لا يتأتى لهم أن يكونوا قُدْوة ونموذجاً يُحتذى . ولو جاء الرسول ملَكَا على حقيقته ما رأيتموه ، ولا حتجتم له على صورة بشرية ، وساعتها لن تعرفوا أهو ملَكَ أم بشر ، إذن ، لا بُدَّ أن تعود المسألة إلى أن يكون بشراً ، لذلك يقول سبحانه : { وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ } [ الأنعام : 9 ] . ومسألة نزول الملائكة مع الرسول من الاقتراحات التي اقترحها الكفار على رسول الله ليطلبها من ربه ، وهذا يعني أنهم يريدون دليلَ تصديق على نبوة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ، وسبق أنْ جاءهم رسول الله بمعجزة من جنس ما نبغُوا فيه وعجزوا أنْ يُجَاروه فيها ، ليثبت أن ذلك جاء من عند ربهم القوي ، ومعنى هذه المعجزة أنها تقوم مقام قوله صدق عبدي في كل ما يُبلِّغ عني . وما دامت المعجزة قد جاءتْ بتصديق الرسول ، فهل هناك معجزة أَوْلَى من معجزة ؟