محمد متولي الشعراوي

10405

تفسير الشعراوي

رؤية ، لأن الرائي يحدد المرئي ، وهذا مُحَال على الله عَزَّ وَجَلَّ . ونقول للمعتزلة : أنتم تأخذون المسائل بالنسبة لله ، كما تأخذونها بالنسبة لمخلوقات الله ، لماذا لا تأخذون كل شيء بالنسبة لله تعالى في إطار { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } [ الشورى : 11 ] فإذا كان لكم ببعض لقاء يقتضي الوَصْل ، فالله تعالى لقاء لا يقتضي الوصل ، وإذا كانت الرؤية تحدد فلله تعالى رؤية لا تحدد . إن لك سَمْعاً ولله سمع أسمعُك كسمع الله عَزَّ وَجَلَّ ؟ إذن : لماذا تريد أن يكون لقاء الله كلقائك يقتضي تجسُّداً ، أو رؤيته كرؤيتك ؟ لذلك في قصة رؤية موسى عليه السلام لربه عَزَّ وَجَلَّ ، ماذا قال موسى ؟ قال : { رَبِّ أرني أَنظُرْ إِلَيْكَ } [ الأعراف : 143 ] فطلب من ربه أن يُريه لأنه لا يستطيع ذلك بذاته ، ولا يصلح لهذه الرؤية ، ألا أن يُريه الله ويطلعه ، فالمسألة ليست من جهة المرئيّ ، إما من جهة الرائي . لكن هل قرَّعه الله على طلبه هذا وقال عنه : استكبر وعتا عُتُواً كبيراً كما قال هنا ؟ لا إنما قال له : { لَن تَرَانِي } [ الأعراف : 143 ] ولم يقُلْ سبحانه : لن أُرَى ، وفرْق بين العبارتين . فقوله : { لَن تَرَانِي } [ الأعراف : 143 ] المنع هنا ليس من المرئيّ بل المنع من الرائي ؛ لذلك أعطاه ربه عَزَّ وَجَلَّ الدليل : { ولكن انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي } [ الأعراف : 143 ] يعني : أأنت أقوى أم الجبل ؟ { فَلَمَّا تجلى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ موسى صَعِقاً } [ الأعراف : 143 ] . ولاحظ : { فَلَمَّا تجلى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ } [ الأعراف : 143 ] كلمة تجلى أي : أن الله تعالى يتجلى على بعض خَلْقه ، لكن أيصبرون على هذا التجلي ؟ وليس الجبل أكرم عند الله من الإنسان الذي سخّر اللهُ له الجبل وكلّ شيء في الوجود .