محمد متولي الشعراوي

10402

تفسير الشعراوي

عمل ، ويغضب الواحد منهم إذا لم يجد فرصة عمل في يومه مع ما سيتحمله من آلام ومشاق ، لماذا ؟ إنها الحاجة . فالعامل الذي يعمل في المجاري مثلاً ويتحمَّل أذاها هو في قدرته على نفسه ورضاه بقدَر الله فيه أفضل مِنِّي أنا في هذه المسألة ، لأنني لا أقدر على هذا العمل وهو يقدر ، ولو ترك الله مثل هذه الأعمال للتفضّل ما أقدم عليها أحد ، إذن : التسخيرات من الحق سبحانه وتعالى لحكمه . ومثل هذه الأعمال الشاقة أو التي تؤذي العامل يعدُّها البعض أعمالاً حقيرة ، وهذا خطأ ، فأيُّ عمل يُصلح المجتمع لا يُعَدُّ حقيراً ، فلا يوجد عمل حقير أبداً ، وإنما يوجد عامل حقير . فمعنى : { وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً } [ الفرقان : 20 ] كل بعض منا فتنة للآخر ، فالغنيُّ فتنةٌ للفقير ، والفقير فتنة للغني . . الخ فحين يتعالى الغني على الفقير ويستذلّه فالفقير هنا قتنة للغني ، وحين يحقد الفقير على الغني ويحسده ، فالغنيّ هنا فتنة للفقر ، وهكذا الصحيح فتنة للمريض ، والرسل فتنة لمن كذّبوهم ، والكفار فتنة للرسل . والناس يفرون من الفتنة في ذاتها ، وهذا لا يصح ؛ لأن الفتنة تعني الاختبار ، فالذي ينبغي أن نفر منه نتيجة الفتنة ، لا الفتنة ذاتها ، فالامتحان فتنة للطلاب ، مَنْ ينجح فالفتنة له خَيْر ومَنْ يخفق فالفتنة في حَقِّه شَرٌّ . إذن : الفتنة في ذاتها غير مذمومة . لذلك تُؤخَذ الفتنة من فتنة الذهب حين يُصْهر ، ومعلوم أن الذهَب أفضل المعادن ، وإنْ وُجد ما هو أنفس منه ، لماذا ؟ لأن من مَيْزاته أنه لا يتأكسد ولا يتفاعل مع غيره ، وهو كذلك سهل السَّبْك ؛ لذلك