محمد متولي الشعراوي
10285
تفسير الشعراوي
لقد مدحوك وأثنَواْ عليك ، وأقاموا لك التماثيل وخَلَّدوا ذِكْراك ؛ لذلك رسم لهم القرآن هذه الصورة : { والذين كفروا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظمآن مَآءً حتى إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً } [ النور : 39 ] . { أَعْمَالُهُمْ } [ النور : 39 ] أي : التي يظنونها خيراً ، وينتظرون ثوابها ، والسراب : ما يظهر في الصحراء وقت الظهيرة كأنه ماء وليس كذلك . وهذه الظاهرة نتيجة انكسار الضوء ، و « قِيعة » : جمع قاع وهي الأرض المستوية مثل جار وجيرة . وأسند الفعل { يَحْسَبُهُ } [ النور : 39 ] إلى الظمآن ؛ لأنه حاجة للماء ، وربما لو لم يكُنْ ضمآناً لما التفتَ إلى هذه الظاهرة ، فلظمئه يجري خلف الماء ، لكنه لا يجد شيئاً ، وليت الأمر ينتهي عند خيبة المسعى إنما { وَوَجَدَ الله عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ } [ النور : 39 ] فُوجىء بإله لم يكُنْ على باله حينما فعل الخير ، إله لم يؤمن به ، والآن فقط يتنبه ، ويصحو من غَفْلته ، ويُفَاجأ بضياع عمله . إذن : تجتمع عليه مصيبتان : مصيبة الظمأ الذي لم يجد له رِياً ، ومصيبة العذاب الذي ينتظره ، كما قال الشاعر : كَما أبرقَتْ قَوْماً عِطَاشاً غَمَامَةٌ . . . فَلمَّا رأوْهَا أَقْشَعَتْ وتَجلَّتِ وسبق أن ضربنا مثلاً لهذه المسألة بالسجين الذي بلغ منه العطش مبلغاً ، فطلب الماء ، فأتاه الحارس به حتى إذا جعله عند فيه