محمد متولي الشعراوي
10376
تفسير الشعراوي
ومن ذلك نسمع مَنْ يقول : ( أنا ح أطلق من جنابي ) ، يعني : نتيجة ما بداخله من الغيظ لا يتسع له جوفه ، وما دام الغيظ فوق تحمُّل النفس وسِعَتها فلا بُدَّ أن يشعر الإنسان بالضيق ، وأنه يكاد ينفجر . لذلك يقول تعالى عن النار في موضع آخر { تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ } [ الملك : 8 ] تميّز يعني : تكاد أبعاضها تنفصل بعها عن بعض . لكن ، لماذا تميِّز النار من الغيظ ؟ قالوا : لأن الكون كله مُسبِّح لله حامد شاكر لربه ؛ لذلك يُسَّرُّ بالطائع ويحبه ، ويكره العاصي ، أَلاَ ترى أن الوجود كله قد فرح لمولد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ، فرح لمولده الجمادُ والنباتُ والحيوانُ واستبشر ، لأنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ جاء ليعيد للإنسان انسجامه مع الكون المخلوق له ، ويعدل الميزان . ومع ذلك نرى من البشر العقلاء أصحاب الاختيار مَنْ يكفر ، لذلك تغتاظ النار من هؤلاء الذي شذُّوا عن منظومة التسبيح والتحميد ورَضُوا لأنفسهم أن يكونوا أَدْنى من الجماد والنبات والحيوان ، ومن ذلك يقولون : نَبَا بهم المكان من كفرهم ، يعني الأماكن من الأرض تُنكرهم وتتضايق من وجودهم عليها ، كما تفرح الأرض بالطائع وتحييه ؛ لأنه منسجم معها ، المكان والمكين ينتظمان في منظومة التسبيح والطاعة . لذلك يُنبِّهنا إلى هذه المسألة الإمام على رَضِيَ اللَّهُ عَنْه فيقول : إذا مات المؤمن بكى عليه موضعان : موضع في السماء ، وموضع في الأرض ، أما في الأرض فموضع مُصلاَّه ؛ لأنه حُرِم من صلاته ، وأما موضعه في السماء فمصعد عمله الطيب .