محمد متولي الشعراوي

9640

تفسير الشعراوي

مثقفة لقالوا قفزة حضارية ، إنما هذه أمة أمية ، ونبيها أيضاً أُمِّي إذن : فلا بُدَّ أن يكون المنهج الذي جاء به ليسلب هذه الحضارات عِزَّها ومجدَها منهجاً أعلى من كل هذه المناهج والحضارات . ثم يقول تعالى : { وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فاعبدون } [ الأنبياء : 92 ] أي : التزموا بمنهجي لتظلوا أمة واحدة ، واختار صفة الربوبية فلم يقُلْ : إلهكم ؛ لأن الرب هو الذي خلق ورزق وربى ، أمّا الإله فهو الذي يطلب التكاليف . فالمعنى : ما دُمْتُ أنا ربكم الذي خلقكم من عَدَم ، وأمدكم من عُدْم ، وأنا القيوم على مصالحكم ، أكلؤكم بالليل والنهار ، وأرزق حتى العاصي والكافر بي ، فأنا أوْلَى بالعبادة ، ولا يليق بكم أن أصنع معكم هذا كله وتذهبون إلى إله غيري ، هذا منطق العقل السليم ، وكما يقولون ( اللي يأكل لقمتي يسمع كلمتي ) . ومن العبادة أن تطيع الله في أمره ونَهيْه ؛ لأن ثمرة هذه الطاعة عائدة عليك بالنفع ، فلله تعالى صفات الكمال الأزليّ قبل أنْ يخلق مَنْ يطيعه ، فطاعتك لن تزيد شيئاً في مُلْك الله ، ومعصيتك لن تنتقص منه شيئاً . إذن : فالأمر راجع إليك ، وربك يُثيبك على فعل هو في الحقيقة لصالحك . لكن ، هل سمع الناس هذا النداء وعملوا بمقتضاه ، فكانوا أمة واحدة كهذه الأمة التي أدخلتْ الدنيا في رحاب الإسلام في نصف قرن ؟ هذه الأمة التي ما زلنا نرى أثرها في البلاد التي تمردتْ على العروبة ، وعلى لغة القرآن ، ومع ذلك هم مسلمون على لغاتهم وعلى حضارتهم ، إن الدين الذي يصنع هذا ، والأمة الواحدة التي تحمَّلتْ هذه المسؤولية ما كان ينبغي أن نتخلى عنها .