محمد متولي الشعراوي
9646
تفسير الشعراوي
القوة : أعطاه المال والعلم والجيوش ، فلم يكتف بذلك كله ، بل { فَأَتْبَعَ سَبَباً } [ الكهف : 85 ] يعني : أخذ بالأسباب التي تؤدِّي إلى الخير . وسبق أنْ تحدثنا عن تشخيص البطل في قصص القرآن ؛ لأن القرآن لا يُؤرِّخ للشخصية ، ولا يُعطى لها خصوصية ، وإنما يريدها عامة لتكون مثلاً يُحتذَى ، ويتم بها الاعتبار ، وتُحدِث الأثر المراد من القصة . فما يعنينا في قصة ذي القرنين أنه رجل مُكِّن في الأرض ، وكان من صفاته كذا وكذا ، وما يعنينا من أهل الكهف أنهم فتية آمنوا بربهم وتمسَّكوا بدينهم وعقيدتهم وضَحَّوْا في سبيلها ، لا يهمنا الأشخاص ولا الزمان ولا المكان ولا العدد . لذلك ؛ أبهم القرآن كل هذه المسائل ، فأيّ فتية ، في أيّ زمان ، وفي أيِّ مكان ، وبأيِّ أسماء يمكن أن يقفوا هذا الموقف الإيماني ، ولو شخَّصناهم وعيَّناهم لَقالَ الناس : إنها حادثة خاصة بهؤلاء ، أو أنهم نماذج لا تتكرر ؛ لذلك أبهمهم القرآن ليكونوا عبرة وأُسْوة تسير في الزمان كله . كذلك ، لما أراد القرآن أنْ يضرب مثلاً للذين كفروا ذكر امرأة نوح وامرأة لوط ولم يُعيِّنهما ، وكذلك ضرب مثلاً للذين آمنوا بامرأة فرعون ولم يذكر مَنْ هي ، فالغرض من ضَرْب هذه الأمثال ليس الأشخاص ، إنما لنعلم أن للمرأة حريةَ العقيدة واستقلاليةَ الرأي ، فليست هي تابعة لأحد ، بدليل أن نوحاً ولوطاً لم يتمكَّن كل منهما من هداية امرأته .