محمد متولي الشعراوي

9090

تفسير الشعراوي

وأبهمه مكاناً ، فكان إبهام الموت هو عَيْن البيان للموت ؛ لأن إبهامه يجعل الإنسان على استعداد للقائه في أيّ وقت ، وبأيّ سبب ، وفي أيّ مكان ، فالموت يأتي غفلة ؛ لأنه لا يتوقف على وقت أو سبب أو مكان . فالطفل يموت وهو في بطن أمه ، ويموت بعد يوم ، أو أيام من ولادته ، ويموت بعد مائة عام ، ويموت بسبب وبدون سبب ، وقد نتعجَّب من موت أحدنا فجأة دون سبب ظاهر ، فلم تصدمه سيارة ، ولم يقع عليه جدار أو حجر ، ولم يداهمه مرض ، فما السبب ؟ السبب هو الموت ، إنه سيموت ، أي أنه مات لأنه يموت ، كما يقال : والموت من دون أسباب هو السبب . ثم يقول الحق سبحانه : { إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأرض } كيف يقول الحق سبحانه : { نَرِثُ الأرض } [ مريم : 40 ] وهي والكون كله مِلْك له تعالى ؟ قالوا : لأنه تبارك وتعالى هو المالك الأعلى ، وقد ملَّك من خَلْقه من ملَّك ، هذا في الدنيا ، أما في الآخرة فليس لأحد ملك على شيء ، ليس للإنسان سيطرة حتى على جوارحه وأعضائه ، فالأمر كله يومئذ لله تعَالى ، فيُردّ الملْك إلى صاحبه الأعلى ، ولا أحدَ يرث هذا الملْكَ إلا الله تعالى . لذلك ، فالذين اغترُّوا بنعم الله في الدنيا فظنوا أن لهم مثْلها في الآخرة ، فقال أحدهم : { وَلَئِن رُّدِدتُّ إلى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً } [ الكهف : 36 ] نقول له : لا ، صحيح ستُردّ إلى ربك ، لكن لن يكون لك عنده شيء ؛ لأن الذي ملّكك في الدنيا ملّكك من باطن مِلكيته تعالى ، فإذا ما جاءت الآخرة كان هو الوارث الوحيد .