محمد متولي الشعراوي

9075

تفسير الشعراوي

نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي المهد صَبِيّاً } [ مريم : 29 ] ونلاحظ في قولهم أنهم لم يستبعدوا أنْ يتكلّمَ الوليد ، فلم يقولوا : كيف يتكلم مَنْ كان في المهد صبياً ؟ بل قالوا : { كَيْفَ نُكَلِّمُ } [ مريم : 29 ] أي : نحن ، فاستبعدوا أنْ يكلموه ، فكأنهم يطعنون في أنفسهم وفي قدرتهم على فَهْم الوليد إنْ كلَّمهم . والمهد : هو المكان الممهد المعَدّ لنوم الطفل ، لأن الوليد لا يقدر أن يبعد الأذى عن نفسه ، فالكبير مثلاً يستطيع أنْ يُمهد لنفسه مكان نومه ، وأن يُخرِج منه ما يُؤرِّق نومه وراحته ، وعنده وَعْي ، فإذا آلمه شيء في نومه يستطيع أنْ يتحلَّل من الحالة التي هو عليها ، وينظر ماذا يؤلمه . ثم يقول الحق سبحانه : { قَالَ إِنِّي عَبْدُ الله } وكأنه قال للقوم : لا تتكلموا أنتم ، أنا الذي سأتكلم . ثم بادرهم بالكلام : { قَالَ إِنِّي عَبْدُ الله } [ مريم : 30 ] وهكذا استهلّ عيسى عليه السلام كلامه بإظهار عبوديته لله تعالى ، وفي هذه دليل على أنه قد يُقال فيه أنه ليس عبداً ، وأنه إله أو شريك للإله . لذلك كانت أو كلمة نطق بها { قَالَ إِنِّي عَبْدُ الله } [ مريم : 30 ] فالمعجزة التي جاءتْ بي لا تمنع كَوْني عبداً لله ؛ لذلك لو سألتَ الذين يعتقدون في عيسى عليه السلام أنه إله أو شريك للإله : إنكم تقولون أنه تكلّم في المهد ، فماذا قال ؟ فلا يعترفون بقوله أبداً ؛ لأن قوله ونُطْقه : { إِنِّي عَبْدُ الله } [ مريم : 30 ] ينفي معتقدهم من أساسه . ليس هذا وفقط ، بل : { آتَانِيَ الكتاب } [ مريم : 30 ] لكن كيف