محمد متولي الشعراوي

9067

تفسير الشعراوي

مائية ، في حين لا يصبر على الهواء لحظة واحدة ، ويمكن أنْ يموتَ من كَتْم نفَسٍ واحد . لذلك ، من حكمة الخالق سبحانه وتعالى أن يُملِّك الطعام كثيراً ، ويُملك الماء قليلاً ، ولا يُملِّك الهواء لأحد أبداً ، لأنك لو غضبتَ على أحد فمنعتَ عنه الهواء لمات قبل أنْ ترضى عنه ، إذن : فعناصر استبقاء الحياة مرتبة حَسْب أهميتها في حياة الإنسان ، وقد ضمنها الحق سبحانه لمريم وجعلها في متناول يدها وأغناها عن أنْ يخدمها أحد . فالهواء موجود وهي في الخلاء ، ثم الماء فأجري تحتها نهراً عذباً زلالاً ، ثم الطعام فقال : { وهزى إِلَيْكِ بِجِذْعِ النخلة تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً } [ مريم : 25 ] وكأن الحق تبارك وتعالى يريد أنْ يُظهِر لمريم آية أخرى من آياته ، فأمرها أنْ تهزَّ جذع النخلة اليابس الذي لا يستطيع هَزَّه الرجل القويّ ، فما بالها وهي الضعيفة التي تعاني ألم الولادة ومشاقها ؟ كما أن الحق سبحانه قادر على أنْ يُنزِل لها طعامها دون جَهْد منها ودون هَزِّها ، إنما أراد سبحانه أن يجمع لها بين شيئين : طلب الأسباب والاعتماد على المسبب ، والأخذ بالأسباب في هَزِّ النخلة ، رغم أنها متعبة قد أرهقها الحمل والولادة ، وجاء بها إلى النخلة لتستند إليها وتتشبث بها في وحدتها لنعلم أن الإنسان في سعيه مُطَالب بالأخذ بالأسباب مهما كان ضعيفاً . لذلك أبقى لمريم اتخاذ الأسباب مع ضَعْفها وعدم قدرتها ، ثم