محمد متولي الشعراوي

9063

تفسير الشعراوي

والمخاض : هو الألم الذي ينتاب المرأة قبل الولادة ، وليس هو الطَّلْق الذي يسبق نزول الجنين . وقوله : { فَأَجَآءَهَا المخاض إلى جِذْعِ النخلة } [ مريم : 23 ] أوضح لنا عِلَّة مجيئها إلى جِذْع النخلة ؛ لأن المرأة حينما يأتي وقت ولادتها تحتاج إلى ما تستند إليه ، وتتشبث به ليخفف عنها ألم الوضع ، أو رفيقة لها تفزع إليها وتقاسمها هذه المعاناة ، فألجأها المخاض إذن إلى جذع ( النخلة ) ، وجاءت النخلة مُعرَّفة لأنها نخلة معلومة معروفة . وجذع النخلة : ساقها الذي يبدأ من الجذر إلى بداية الجريد ، فهل ستتشبث مريم عند وضعها بكل هذه الساق ؟ بالطبع ستأخذ الجزء القريب منها فقط ، وأُطلق الجذع على سبيل المبالغة ، كما في قوله تعالى : { يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ في آذَانِهِم مِّنَ الصواعق حَذَرَ الموت } [ البقرة : 19 ] . ومعلوم أن الإنسان يسدّ أذنه بأطراف الأصابع لا بأصابعه كلها ، فعبَّر عن المعنى بالأصابع مبالغةً في كَتْم الصوت المزعج والصواعق التي تنزل بهم . إذن : فالسيدة مريم أصبحت أمام أمر واقع وحمل ظاهر لا تستطيع إخفاءه ، ولا تقدر على ستره ، فقد قبلتْ قبل ذلك أنْ يُبشِّرها الملَك بغلام زكيٍّ ، وقبلتْ أنْ تحمل به ، فكيف بها الآن وقد تحوّل الأمر من الكلام إلى الواقع الفعلي ، وها هو الوليد في أحشائها ، وقد حان موعد ولادته ؟ لابُدَّ أن ينتابها نزوع انفعالي فالأمر قد خرج عن نطاق السَّتْر