محمد متولي الشعراوي

9059

تفسير الشعراوي

وقوله : { هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ } [ مريم : 21 ] كما قال في مسألة البعث بعد الموت : { وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ } [ الروم : 27 ] فكلمة هيّن وأَهْوَن بالنسبة للحق تبارك وتعالى لا تُؤخَذ على حقيقتها ؛ لأن هَيِّن وأهوَنَ تقتضي صعب وأصعب ، وهذه مسائل تناسب فِعْلَ الإنسان في معالجته للأشياء على قَدْر طاقته وإمكاناته ، أما بالنسبة للخالق سبحانه فليس عنده هَيِّن وأهون منه ؛ لأنه سبحانه لا يفعل الأفعال مُعَالجةً ، ولا يزاولها ، وإنما بقوله تعالى ( كُنْ ) . فالحق سبحانه يخاطبنا على قَدْر عقولنا ، فقوله : { هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ } [ مريم : 21 ] أي : بمنطقكم أنتم إنْ كنت قد خَلقْتكم من غير شيء ، فإعادتكم من شيء موجود أمر هَيِّن . ثم يقول تعالى : { وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلْنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا } [ مريم : 21 ] . هل كان الغرض من خَلْق عيسى عليه السلام على هذه الصورة أن يُظهِر الحق سبحانه قدرته في الخلق وطلاقة قدرته فقط ؟ لا ، بل هناك هدف آخر { وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلْنَّاسِ } [ مريم : 21 ] أي : أمراً عجيباً ، يخرج عن مألوف العادة والأسباب ، كما نقول : هذا آية في الحُسْن ، آية في الذكاء ، فالآية لا تُقال إلا للشيء الذي يخرج عن معتاد التناول . والآية هنا أن الخالق تبارك وتعالى كما خلق آدم عليه السلام من غير أب أو أم ، وخلق حواء من غير أم ، خلق عيسى عليه السلام من أم دون أب ، ثم يخلقكم جميعاً من أب وأم ، وقد يوجد الأب والأم ولا يريد الله لهما فيجعل مَنْ يشاء عقيماً .