محمد متولي الشعراوي

9585

تفسير الشعراوي

وقولهم : { إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ } [ الأنبياء : 68 ] يعني : إنْ فعلتم شيئاً بإبراهيم فَحرِّقوه . ثم يقول الحق سبحانه عن إنجائه لإبراهيم - عليه السلام - من هذه المَحْرقَة : { قُلْنَا يا نار كُونِي . . . } . جاء هذا الأمر من الحق الأعلى سبحانه ؛ ليخرق بالمعجزة نواميس الكون السائدة ، ولا يخرق الناموسَ إلا خالقُ الناموس ، كما قلنا في قصة موسى عليه السلام : الماء قانونه السيولة والاستطراق ، ولا يسلبه هذه الخاصية إلا خالقه ؛ لذلك فَرَقه لموسى فُرْقاناً - كما قلنا - كلُّ فِرْق كالطَّوْد العظيم ، فلا يُعطّل قانون الأشياء إلا خالقها ؛ لأن الأشياء لم تُخلق لتكون لها القدرة على قيُّومية نفسها ، بل مخلوقة تُؤدِّي مهمة ، والذي خلقها للمهمة هو القادر أنْ يسلبَها خواصّها . وفَرْق بين فِعْل العبد وفِعْل الحق سبحانه : فلو أنَّ في يدك مسدساً ، وأنت تُحسِن التصويب ، وأمامك الهدف ، ثم أطلقتَ تجاه الهدف رصاصة ، أَلَكَ تحكُّمٌ فيها بعد ذلك ؟ أيمكن أنْ تأمرها أن تميلَ يميناً أو شمالاً ؟ لكن الحق سبحانه يتحكّم فيها ، ويُسيِّرها كيف يشاء ، فالحق سبحانه خلق النار وخلق فيها خاصية الإحراق ، وهو وحده القادر على سَلْب هذه الخاصية منها ، فتكون ناراً بلا إحراق ، فليس للنار قيومية بذاتها .