محمد متولي الشعراوي

9576

تفسير الشعراوي

لذلك يقولون : الناس بأزمانهم أشبه منهم بآبائهم ، فلكُل زمن وَضْعه وارتقاءاته ، وأنت تتحكم في ولدك ما دام صغيراً ، فيأكل الولد ويشرب ويلبس حَسْب ما تحب أنت ، فإذا ما شبَّ وكَبِر صارتْ له شخصيته الخاصة وفِكْره المستقِلّ ، فيختار هو مَأكله ومَلْبسه ، والكلية التي يدخلها ، وربما انتقدكَ في بعض الأمور . إذن : هؤلاء قلَّدوا آباؤهم في هذه المسألة دون غيرها ، فلماذا مسألة الإيمان بالذات تتمسَّكون فيها بالتقليد ؟ ولو أن كُلَّ جيل جاء صورة طِبْق الأصل لسابقه لما تغيَّر وَجْه الحياة ، ففي هذا دلالة على أن لكل جيل ذاتيته المستقلة وفِكْره الخاص . لقد قلَّد هؤلاء آباءهم في هذه العبادة دون غيرها من الأمور ؛ لأنها عبادة وتديُّن بلا تكليف ، وآلهة بلا منهج ، لا تُضيِّق عليهم في شيء ، ولا تمنعهم شيئاً مما أَلِفُوه من الشهوات ، فهو تديُّن بلا تَبِعة . لذلك ؛ فالحق سبحانه يردُّ عليهم في أسلوبين مختلفين ، فمرة يقول تعالى : { وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتبعوا مَآ أَنزَلَ الله قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَآ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ } [ البقرة : 170 ] . وفي موضع آخر يقول : { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إلى مَآ أَنزَلَ الله وَإِلَى الرسول قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَآ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ } [ المائدة : 104 ] . ونلحظ أن عَجُزَ الآيتين مختلف ، فمرة : { لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً . . . } [ البقرة : 170 ] ومرة : { لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئاً . . . } [ المائدة : 104 ] فلماذا ؟ قالوا : لأن عَجُزَ كل آية مناسب لصَدْرها ، وصَدْر الآيتين مختلف ، ففي الأولى قالوا : { بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَآ . . . } [ البقرة : 170 ]