محمد متولي الشعراوي

9569

تفسير الشعراوي

ولأمر ما جعل الله التكليف بعد البلوغ ، فلو كلّفك قبل البلوغ لوجدتَ في التكاليف نَهْياً عن بعض الأمور التي لا تعرفها ولا تدركها ، وقد تعترض على ربك : كيف أفعل يا ربّ وقد جاءتني هذه الغريزة ففعلتْ بي كذا وكذا . ولكل آلة وجهاز في جسم الإنسان رُشْد يناسبه ، ونمو يناسب تكوينه ، فمثلاً عَيْن الطفل وفمه وأصابع يده كلها تنمو نمواً مناسباً لتكوين الطفل . أما الأسنان ففيها حكمة بالغة من الخالق عَزَّ وَجَلَّ ، فقد جعل للطفل في المرحلة التي لا يستطيع فيها تنظيفَ أسنانه بنفسه ، ولا حتى يستطيع غيره تنظيفها جعل له ( طقماً ) احتياطياً من الأسنان ، يصاحبه في صِغَره تُسمَّى الأسنان اللبنية ، حتى إذا ما شَبَّ وكَبر واستطاع أنْ يُنَظّف أسنانه بنفسه أبدله الله ( طَقْماً ) آخر يصاحبه طوال عمره . وهناك رُشْد أعلى ، رُشْد فكري معنوي ، رُشْد يستوي فيه العقل والتفكير ويكتمل الذِّهنْ الذي يختار ويُفَاضل بين البدائل ، فقد يكتمل للمرء رُشْد البُنياني الجسماني دون أنْ يكتملَ عقله وفِكْره ، وفي هذه الحالة لا نُمكِّنه من التصرف حتى نختبره ، لنعلم مدى إحسانه للتصرف فيما يملك ، فإنْ نجح في الاختبار فَلْنُعْطِه المال الذي له ، يتصرف فيه كما جاء في قول الحق سبحانه وتعالى : { وابتلوا اليتامى حتى إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً فادفعوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ . . . } [ النساء : 6 ] أي : لا تنتظر حتى يكبر ، ثم تعطيه