محمد متولي الشعراوي
9562
تفسير الشعراوي
هذا هو الفرقان والنور والبصيرة وفراسة المؤمن الذي يرى بنور الله ، ولا يصدر في أمر من أموره إلا على هَدْيه . ويُروى أن المهدي الخليفة العباسي أيضاً دخل الكعبة ، فوجد صبياً صغيراً في السادسة عشرة أو السابعة عشرة من عمره يلتف حوله أربعمائة شيخ كبير من أصحاب اللحي والهَيْبة والوقار ، والصبي يُلْقِي عليهم درساً ، فتعجب المهدي وقال : أُفٍّ لهذه السعانين يعني الذقون ، أمَا كان فيهم مَنْ يتقدم ؟ ! ثم دنا من الصبي يريد أن يُقرِّعه ويؤنِّبه فقال له : كم سِنّك يا غلام ؟ فقال الصبي : سني سِنُّ أسامة بن زيد حينما ولاه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إمارة جيش فيه أبو بكر وفيه عمر ، فقال له المهدي - معترفاً بذكائه وأحقيقته لهذا الموقف : بارك الله فيك . فالفرقان - إذن - لا تُستعمل إلا للأمور الجليلة العظيمة ، سواء ما نزل على موسى ، أو ما نزل على محمد ، إلا أن الفرقان أصضبح عَلَماً على القرآن ، فهناك بين العلم والوصف ، فكل ما يُفرِّق بين حَقٍّ وباطل تصفه بأنه فرقانٌ ، أمّا إنْ سُمِّي به ينصرف إلى القرآن . والمتأمل في مادة ( فَرَق ) في القرآن يجد أن لها دوراً في قصة موسى عليه السلام ، فأول آية من آياته : { وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ البحر . . . } [ البقرة : 50 ] . والفَرْق أنْ تفصل بين شيء مُتصل مع اختلاف هذا الشيء ، وفي علم الحساب يقولون : الخَلْط والمزج ، ففَرْق بين أن تفصل بين أشياء مخلوطة مثل برتقال وتفاح وعنب ، وبين أنْ تفصلها وهي مزيج من العصير ، تداخل حتى صار شيئاً واحداً . إذن : ففَرْق البحر لموسى - عليه السلام - ليس فَرْقاً بل فرقاناً ،