محمد متولي الشعراوي

9537

تفسير الشعراوي

فقوله : { وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الخلد . . . } [ الأنبياء : 34 ] فأنت كغيرك من البشر قبلك ، أما مَنْ بعدك فلن يخلدوا بعد موت { أَفَإِنْ مِّتَّ فَهُمُ الخالدون } [ الأنبياء : 34 ] فلا يفرحوا بموتك ؛ لأنهم ليسوا خالدين من بعدك . { كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الموت وَنَبْلُوكُم . . . } . إذن : فالموت قضية كونية عامة ، وهي في حقيقتها خَيْر ، فإنْ كانوا أخياراً نُعجِّل لهم جزاءهم عند الله ، وإنْ كانوا أشراراً فقد أراحَ اللهُ منهم البلاد والعباد . لكن ، كيف يُذَاق الموت ؟ الذَّوْق هنا يعني إحساسَ الإنسان بالألم من الموت ، فإنْ مات فعلاً يستحيل أن يذوق ، أما قبل أن يموت فيذوق مقدمات الموت ، والشاعر يقول : وَالأَسَى بَعْد فُرْقَةِ الرُّوحِ عَجْزٌ . . . وَالأسَى لاَ يكُونُ قَبْل الفِرَاقِ فعلى أيِّ شيء يحزن الإنسان بعد أن يموت ؟ ولماذا الحزن قبل أن يموت ؟ فالمراد - إذن - ذائقةٌ مقدمات الموت ، التي يعرف بها أنه ميت ، فالإنسان مهما كان صحيحاً لا بُدّ أنْ يأتي عليه وقت يدرك أنه لا محالةَ ميت ، ذلك إذا بلغت الروح الحلقوم ، كما قال تعالى : { كَلاَّ إِذَا بَلَغَتِ التراقي وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ وَظَنَّ أَنَّهُ الفراق } [ القيامة : 26 - 28 ] فالموت في هذه الحالة أمر مقطوع به . ثم يقول سبحانه : { وَنَبْلُوكُم بالشر والخير فِتْنَةً . . . } [ الأنبياء : 35 ] أي : نختبركم ، والابتلاء لا يُذَمُّ في ذاته ، إنما تذم غية الابتلاء :