محمد متولي الشعراوي

9505

تفسير الشعراوي

فاختارت التسخير على الاختيار الذي لا طاقة لها به . أما الإنسان فقد دعاه عقله إلى حملها وفضَّل الاختيار ، ورأى أنه سيُوجه هذه الأمانة التوجيه السليم { وَحَمَلَهَا الإنسان إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً } [ الأحزاب : 72 ] . فوصفه رَبُّه بأنه كان في هذا العمل ظلوماً جهولاً ؛ لأنه لا يدري عاقبة هذا التحمل . فإنْ قلتَ : فما ميزة طاعة السماوات والأرض وهي مضطرة ؟ نقول : هي مضطرة باختيارها ، فقد خيَّرها الله فاختارت الاضطرار . وقوله : { وَمَنْ عِنْدَهُ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ . . . } [ الأنبياء : 19 ] أي ليسوا أمثالكم يكذبون ويكفرون ، بل هم في عبادة دائمة لا تنقطع ، والمراد هنا الملائكة ؛ لأنهم { لاَّ يَعْصُونَ الله مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } [ التحريم : 6 ] . { وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ } [ الأنبياء : 19 ] من حسر : يعني ضَعُفَ وكَلّ وتعب وأصابه الملل والإعياء . ومنه قوله تعالى : { ثُمَّ ارجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ } [ الملك : 4 ] أي : كليل ضعيف ، لا يَقْوي على مواجهة الضوء الشديد كما لو واجهت بعينيك ضوءَ الشمس أو ضوء سيارة مباشر ، فإنه يمنعك من الرؤية ؛ لأن الضوء الأصل فيه أن نرى به ما لا نراه . وفي آية أخرى يقول تعالى : { لَّن يَسْتَنكِفَ المسيح أَن يَكُونَ عَبْداً للَّهِ وَلاَ الملائكة المقربون . . . } [ النساء : 172 ] لأن عِزَّهم في هذه المسألة .