محمد متولي الشعراوي
9496
تفسير الشعراوي
ثم يقول الحق سبحانه : { وَمَا خَلَقْنَا السماء . . . } . ربنا - سبحانه وتعالى - يعطينا المثل الأعلى في الخلْق ؛ لأن خَلْق السماوات والأرض مسألة كبيرة : { لَخَلْقُ السماوات والأرض أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ الناس . . . } [ غافر : 57 ] فالناس تُولَد وتموت وتتجدد ، أمّا السماء والأرض وما بينهما من نجوم وكواكب فهو خلْق هائل عظيم منضبط ومنظوم طوال هذا العمر الطويل ، لم يطرأ عليه خَلَل أو تعطُّل . والحق سبحانه لا يمتنُّ بخَلْق السماء والأرض وما بينهما ؛ لأنها أعجب شيء ، ولكن لأنها مخلوقة للناس ومُسخَّرة لخدمتهم ، فالسماء وما فيها من شمس وقمر ونجوم وهواء ومطر وسحاب والأرض وما عليها من خَيْرات ، بل وما تحتها أيضاً { وَمَا تَحْتَ الثرى } [ طه : 6 ] . الكل مخلوق لك أيها الإنسان ، حتى ما تتصوره خادماً لغيرك هو في النهاية يصبُّ عندك وبين يديك ، فالجماد يخدم النبات ، والنبات يخدم الحيوان ، وكلهم يخدمون الإنسان . فإنْ كان الإنسان هو المخدوم الأعلى في هذا الكون فما عمله هو ؟ وما وظيفته في كون الله ؟ فكل ما دونك له مهمة يؤديها فما مهمتك ؟ إذن : إنْ لم يكن لك مهمة في الحياة فأإنت أتفه من الحيوان ، ومن النبات ، حتى ومن الجماد ، فلا بُدَّ أنْ تبحثَ لك عن عمل يناسب سيادتك على هذه المخلوقات . ثم هل سخَّرْتَ هذه المخلوقات لنفسك بنفسك ، أم سخَّرها الله وذلَّلها لخدمتك ؟ فكان عليك أن تلتفت لمن سخَّر لك هذه المخلوقات