محمد متولي الشعراوي
9483
تفسير الشعراوي
وكلمة ( ظَلَمُوا ) عامة في الظلم ، فقد ظلموا أنفسهم أولاً ؛ لأن ظلمهم عائد عليهم بالعذاب ، وظُلْم نفسه ناشيء من أنه ظلم الحق الأعلى { إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } [ لقمان : 13 ] . ثم ظلم الناس في أمور أخرى وفي حقوق لهم ، لكن جاءتْ ( ظلموا ) عامة ؛ لأن الظلم الواحد سيشمل كل أنواع الظلم ، وما دام قد وصل به الأمر إلى أنْ ظَلَم الله فلا غرابةَ أنْ يظلم ما دونه تعالى . فما النجوى التي أسرَّهَا القوم ؟ ومَنْ أخبر رسول الله بها ؟ النجوى قوله تعالى : { وَيَقُولُونَ في أَنفُسِهِمْ لَوْلاَ يُعَذِّبُنَا الله بِمَا نَقُولُ } [ المجادلة : 8 ] . فكيف عرف محمد هذه المقولة ، وقد قالوها في أنفسهم وأسرُّوها ؟ ألم يكُن على هؤلاء أن يتنبَّهوا : كيف عرف محمد مقولتهم ؟ وأن الذي أخبره بما يدور هو ربُّه الإله الأعلى ، الذي لا تَخْفى عليه خافية ، كان عليهم أن يلتفتوا إلى رب محمد ، الله الإله الحق الذي يعلم خَبْءَ كل شيء فيرتدعوا عَمَّا هم فيه ، وبدل أنْ يشغلوا عقولهم بمسائل الشرك ينتهوا بها إلى الإيمان . ومما جاء في تناجيهم { هَلْ هاذآ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ . . } [ الأنبياء : 3 ] إذن : أنكروا أن يكون رسولاً لأنه بشر ، والرسول لا بُدَّ أن يكون ملكاً { أَفَتَأْتُونَ السحر وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ } [ الأنبياء : 3 ] فسمُّوا القرآن سحْراً ، لأنهم يروْنَ السحر يُفرِّق بين الابن وأبيه ، والأخ وأخيه { وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ } [ الأنبياء : 3 ] أن القرآن يفعل مثل هذا . ثم يقول الحق سبحانه : { قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ القول فِي السماء . . . } .