محمد متولي الشعراوي

9473

تفسير الشعراوي

هذا الذي يناسب قدرة البشر . أما الحق سبحانه فيملك زمام الأشياء وتوجيهها ، وكلّ شيء مرهون بأمره التكويني ، فإنْ قال للأمر المستقبل : أتى أو اقترب فصدِّق ؛ لأنه لا شيء يُخرج الأمر عن مراده تعالى ، وهو وحده الذي يملك الانفعال لكلمة كُنْ ، فإنْ قالها فَقد انتهتْ المسألة . لذلك يقول سبحانه : { اقترب لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ . . . } [ الأنبياء : 1 ] بصيغة الماضي ولم يقل : يقترب أو سيقترب ؛ لأن المتكلم هو الله . وقد ورد الماضي ( قترب ) أيضاً في قوله تعالى : { اقتربت الساعة وانشق القمر } [ القمر : 1 ] . وفي قوله تعالى { واسجد واقترب } [ العلق : 19 ] فاقترب غير قَرُب ، قرُب : يعني دنا ، أما اقترب أي : دنا جداً حتى صار قريباً منك . والحساب : كلمة تُطلَق إطلاقات عِدّة ، فالحساب أنْ تحسب الشيء بالأعداد جمعاً ، أو طرحاً ، أو ضَرْباً ، وتدير حصيلة لك أو عليك ، فإنْ كانت لك فأنت دائن ، وإنْ كانت عليك فأنت مدين . أو تربط المسبِّبات بأسبابها . وهناك أمور تأتي بغير حساب ، كما قال تعالى : { إِنَّ الله يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ } [ آل عمران : 37 ] فهذه مسألة لا تستطيع ضبطها ، والله لا يُسأل : أعطاني زيادة أم نقصاناً . أما الحساب في { اقترب لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ . . . } [ الأنبياء : 1 ] فيقتضي مُحَاسباً هو الله عَزَّ وَجَلَّ ، ومُحاسَباً هم الناس ، ومُحَاسَباً عليه وهي الأعمال والأحداث التي أحدثوها في دنياهم ، وهذه قسمان : قسم قبل أنْ يُكلَّفوا ، وقسم بعد أن كُلِّفوا .