محمد متولي الشعراوي
9442
تفسير الشعراوي
وقوله تعالى : { وكذلك نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ } [ طه : 127 ] فأنزل الإسراف منزلةَ تالية لعدم الإيمان ؛ لذلك قال بعدها : { وَلَمْ يُؤْمِن بِآيَاتِ رَبِّه } [ طه : 127 ] لأنه حين ينقل الحلال إلى الحرام ، أو الحرام إلى الحلال ، فكأنه عطّل آيات الله . ثم يقول تعالى : { وَلَعَذَابُ الآخرة أَشَدُّ وأبقى } [ طه : 127 ] إذن : فالكلام هنا عن الدنيا ، فلا تظن أن الله يُؤخِّر للكافر كُلَّ العذاب ، فهناك أشياء تُعجِّل له في الدنيا لا تُؤخِّر . وأول مَا لا يُؤخِّر ويُعجل الله به في الدنيا عقوبة الظلم ، فلا يمكن أنْ يموتَ الظالم قبل أن يرى المظلوم ما صنعه الله به ، وإلاّ فالذين لا يؤمنون بالقيامة ولا بالجزاء كانوا فجروا في الخَلْق وَعاثُوا في الأرض ، فمن حكمة الله أن نرى لكل ظالم مصرعاً حتى تستقيم حركة الحياة ، ولو لم يكُنْ الإنسان مؤمناً . والحق سبحانه حين يريد أنْ يُعذِّب يتناسب تعذيبه مع قدرته تعالى ، كما أن ضربة الطفل غير ضربة الشاب القوي . إذن : مَا يناله من عذاب في الحياة هين لأنه من الناس ، أمّا عذاب الآخرة فشئ آخر ؛ لأنه عذاب من الله يتناسب مع قدرته تعالى . { وَلَعَذَابُ الآخرة أَشَدُّ وأبقى } [ طه : 127 ] أبْقَى ؛ لأن عذاب الدنيا ينتهي بالموت ، أو بأن يرضى عنك المعذَّب ويرحمك ، وقد يتوسط لك أحد فيزيل عنك العذاب ، أمّا في الآخرة فلا شيء من ذلك ، ولا مفرَّ من العذاب ولا مَلْجأ . ثم يقول الحق سبحانه : { أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ }