محمد متولي الشعراوي
9426
تفسير الشعراوي
أي : لا سبب لامتناعك إلا الاستكبار على السجود ، أو تكون من العالين . أي : الملائكة الذين لم يشملهم الأمر بالسجود ، فكأن الأمر كان للملائكة خاصة هم الموكّلون بخدمة آدم ، أمّا العالون فهم الملائكة المهيّمون ، ولا علاقة لهم بآدم ، وربما لا يدرُون به . ومن الأساليب التي أثارتْ جَدَلاً حول بلاغة القرآن لدى المستشرقون قوله تعالى : { مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ } [ ص : 75 ] وقوله في موضع آخر : { مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ } [ الأعراف : 12 ] فأيُّ التعبيريْن بليغ ؟ وإنْ كان أحدهما بليغاً فالآخر غير بليغ . وهذا كله ناتج عن قصور في فَهْم لغة القرآن ، وعدم وجود الملَكة العربية عند هؤلاء ، فهناك فَرْق بين أنك تريد أن تسجدَ ويأتي مَنْ يقول لك : لا تسجد ، وبين أنْ يُقنعك شخص بألاَّ تسجد . فقوله : { مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ } [ ص : 75 ] كنت تريد السجود وواحد منعك ، وقوله : { مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ } [ الأعراف : 12 ] يعني : أمرك ألاَّ تسجد ، وأقنعك وأنت اقتنعتَ . ومن المسائل التي أثيرتْ حول هذه القصة : أكان إبليس من الملائكة فشمله الأمر بالسجود ؟ وكيف يكون من الملائكة وهم لا يعصُون الله ما أمرهم ، ويفعلون ما يؤمرون ؟ وإذا لم يكُنْ مَلَكاً فماذا أدخله في الأمر ؟ ولتوضيح هذه المسألة نقول : خلق الله الثَّقليْن : الجن والإنس ، وجعلهم مختارين في كثير من الأمور ، ومقهورين في بعض الأمور ، ليثبت طلاقة قدرته تعالى في خَلْقه ، فإنْ كنتَ مختاراً في أمور التكليف وفي استطاعتك أنْ تطيع أو أنْ تعصي ، فليس من اختيارك أنْ تكون صحيحاً أو مريضاً ، طويلاً أو قصيراً ، فقيراً أو غنياً ، ليس في اختيارك أنْ تحيا أو تموت .