محمد متولي الشعراوي
9418
تفسير الشعراوي
المحلَّل : { تِلْكَ حُدُودُ الله فَلاَ تَعْتَدُوهَا } [ البقرة : 229 ] وفي الحدِّ المحّرم يقول : { تِلْكَ حُدُودُ الله فَلاَ تَقْرَبُوهَا } [ البقرة : 187 ] ذلك لأن مَنْ حامَ حول الحِمَى يوشك أنْ يقع فيه . وقد كان للعلماء كلام طويل حول ما نسيه آدم عليه السلام ، فمنهم مَنْ قال : نسي ( كُل من هذه ولا تقرب هذه ) ، وعلى هذا الرأي لم يَنْسَ آدم لأنه نفَّذ الأمر فأكل مِمّا أحله الله له ، أما كونه أكل من الشجرة التي نهاه الله عنها فليس في هذه أيضاً نسيان ؛ لأن إبليس ذكّره بهذا النهي فقال : { مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هذه الشجرة إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الخالدين } [ الأعراف : 20 ] . فحينما أكل آدم من الشجرة لم يكُنْ ناسياً ما نهاه الله عنه . إذن : ما المقصود بالنسيان هنا ؟ المقصود أن آدم عليه السلام نسي ما أخبره الله به من عداوة إبليس لعنه الله حين قال له : { إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الجنة فتشقى } [ طه : 117 ] . والفكر البشري لا بُدَّ أن تفوتَهُ بعض المسائل ، ولو كان عند الإنسان يقظه وحَذَر ما انطلى عليه تغفيل إبليس ، فتراه يُذكِّر آدمَ بالنهي ولم يَدَعْهُ في غفلته ثم يحاول إقناعه : إنْ أكلتُما من هذه الشجرة فسوف تكونَا ملَكين ، أو تكونَا من الخالدين . وما دُمْتَ أنت يا إبليس بهذا الذكاء ، فلماذا لم تأكل أنت من الشجرة وتكون مَلَكاً أو تكون من الخالدين ؟ لماذا تضاءلت فصْرتَ أرنباً تقول : { أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ } [ الأعراف : 14 ] . إذن : هذا نموذج من تغفيل إبليس لآدم وذريته من بعده ، يلفتنا الله تعالى إليه يقول : تيقظوا واحذروا ، فعداوته لكم مُسْبقة منذ سجد الجميع لآدم تكريماً ، وأَبَى هو أن يسجد .