محمد متولي الشعراوي

9407

تفسير الشعراوي

يفوت مُلْكَه ، أو يفوته المْلكُ ، وأيُّ مُلْك هذا الذي لا يملكه صاحبه ؟ أيّ مُلْك هذا الذي يُسلب منك بانقلاب أو بطلقة رصاص ؟ إذن : الملِك الحق هو الله ، وإن ملَّك بعض الخلق شؤون بعض لمصلحتهم ، فهو سبحانه الذي يهَب الملْك ، وهو الذي ينزعه إن أراد : { تُؤْتِي الملك مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ الملك مِمَّنْ تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ } [ آل عمران : 26 ] . فالحق سبحانه له الملْك الحق ، ويهَبُ من مُلْكه لمَنْ يشاء ، لكن يظل المَلِك وما مَلَكه في قبضة الله ؛ لأنه سبحانه قيُّوم على خَلْقه لا يخرج أحد عن قيوميته . وقد نسمع مَنْ يسبُّ الملوك والرؤساء ، ومَنْ يخوض في حقهم ، وهو لا يدري أن مُلْكهم من الله ، فهو سبحانه الذي ملّكهم وفوَّضهم ، ولم يأخذ أحد منه مُلْكاً رَغْماً عن الله ، فلا تعترض على اختيار الله واحترم مَنْ فوَّضه الله في أمرك ، واعلم أن في ذلك مصلحة البلاد والعباد ، ومَنْ يدريك لعلَّ الطاغية منهم يصبح غَداً واحداً من الرعية . إذن : الحق سبحانه ملَّك بعض الناس أمْر بعض : هذا يتصرف في هذا ، وهذا يملك هذا لتسير حركة الكون ، فإذا كانت القيامة ، قال عَزَّ وَجَلَّ : { لِّمَنِ الملك اليوم لِلَّهِ الواحد القهار } [ غافر : 16 ] هذا هو الملْك الحق . ومن عظمته في التعالى أنه يريحك هو سبحانه بعمله لك ، فيقول لك : نَمْ مِلْءَ جفونك ، فأنا لا تأخذني سِنَة ولا نوم ، نَمْ فلكَ رب قيوم قائم على أمرك يرعاك ويحرسك . ومن معاني { الملك الحق } [ طه : 114 ] أي : الثابت الذي لا يتغير ، وكُلُّ ظاهرة من ظواهر القوة في الكون تتغير إلا قوة الحق