محمد متولي الشعراوي
9394
تفسير الشعراوي
ثم يقول الحق سبحانه : { يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الداعي } الداعي : المنادي ، كالمؤذِّن الذي كثيراً ما دعا الناس إلى حضرة الله تعالى في الصلاة ، فمنهم مَنْ أجاب النداء ، ومنهم مَنْ تأبَّى وأعرض ، أما الداعي في الآخرة ، وهو الذي ينفخ في الصور فلن يتأبَّى عليه أحد ، ولن يمتنع عن إجابته أحد . وقوله : { لاَ عِوَجَ لَهُ } [ طه : 108 ] لأننا نرى داعي الدنيا حين يُنادِي في جَمْع الناس ، يتجه يميناً ويتجه يساراً ، ويدور ليُسمع في كُلِّ الاتجاهات ، فإذا لم يَصِلْ صوته إلى كل الآذان استيعاباً يستعمل مُكبِّر الصوت مثلاً ، أما الداعي في الآخرة فليس له عوج هنا أو هناك ؛ لأنه يُسمِع الجميع ، ويصل صوته إلى كل الآذان ، دون انحراف أو ميْل . ثم يقول تعالى : { وَخَشَعَتِ الأصوات للرحمن فَلاَ تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْساً } [ طه : 108 ] هذا الهمْسُ الذي قال عنه في الآيات السابقة : { يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ } [ طه : 103 ] . ونعرف أن كل تجمُّع كبير لا تستطيع أنْ تضبط فيه جَلبة الصوت ، فما بالك بجَمْع القيامة من لَدُنْ آدم عليه السلام حتى قيام الساعة ، ومع ذلك : { وَخَشَعَتِ الأصوات للرحمن فَلاَ تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْساً } [ طه : 108 ] فلماذا كتمت هذه الأصوات التي طالما قالتْ ما تحب ، وطالما كان لها جلبة وضجيج ؟