محمد متولي الشعراوي

9348

تفسير الشعراوي

وللطغيان في القوت صورة أخرى ، هي أن تستخدم القوت الذي جعله الله طاقة لك في حركة الحياة النافعة ، فإذا بك تصرف هذه الطاقة التي أنعم الله بها عليك في معصيته . وهكذا ، كان الطغيان هو علّة { وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ } [ النحل : 118 ] أي : بالعقوبة { ولكن كانوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } [ النحل : 118 ] أي : بالطغيان . ثم يقول تعالى : { فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي } [ طه : 81 ] الفعل : حَلَّ ، يحلّ يأتي بمعنى : صار حلالاً ، كما تقول للسارق : حلال فيه السجن . وتأتي حلَّ يحل بمعنى : نزل في المكان ، تقول : حَلَّ بالمكان أي : نزل به . فيكون المعنى : { فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي } [ طه : 81 ] أي : صار حلالاً ، ووجب لكم ، أو بمعنى : ينزل بكم . وقد يكون المعنى أعمَّ من هذا كله . والغضب انفعال نفسيٌّ يُحدِث تغييراً في كيماوية الجسم ، فترى الغاضب قد انتفختْ أوداجه واحمرَّ وجهه ، وتغيّرت ملامحه ، فهذه أغيار تصاحب هذا الانفعال . فهل غضب الله عَزَّ وَجَلَّ من هذا النوع ؟ بالطبع لا ؛ لأنه تعالى ليس عنده أغيار ، وإذا كان الغضب يتناسب وقدرة الغاضب على العذاب ، فما بالك إنْ كان الغضب من الله ؟ ثم يقول تعالى : { وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هوى } [ طه : 81 ] مادة : هَوَى لها استعمالان ، الأول : هَوَى يهْوِي : يعني سقط من أَعْلى سقوطاً لا إرادةَ له في منعه ، كأن يسقطَ فجأة من على السطح مثلاً ، ومن ذلك قوله :