محمد متولي الشعراوي
9026
تفسير الشعراوي
أما الدعاء بالله ففي أمور العبادة والتكليف . ثم يُقدِّم زكريا عليه السلام حيثيات هذا المطلب : { رَبِّ إِنَّي وَهَنَ العظم مِنِّي } [ مريم : 4 ] والوَهَن هو الضعف ، وقال : { وَهَنَ العظم } [ مريم : 4 ] لأن لكل شيء قواماً في الصلابة والقوة ، فمثلاً الماء له قوام معروف والدُّهْن له قوام ، واللحم له قوام ، والعصب والعظم وكل عناصر تكوين الإنسان ، والعَظْم هو أقوى هذه الأشياء ، والعَظْم في بناء الجسم البشري مثل ( الشاسيه ) في لغة العصر الحديث ، وعلى العظم يبنى جسم الإنسان من لحم ودم وعصب ، فإذا أصاب العظام وهي أقوى العناصر ضعفٌ ووهنٌ فغيرها من باب أَوْلى . لذلك ، فإن الرجل العربي حينما شكا الجدب والقحط ماذا قال ؟ قال : مرَّتْ بنا سنون صعبة : فَسنة أذابتْ الشحم أي : بعد الجوع وعدم الطعام وسنة أذهبت اللحم أي : بعد أن أنهت الشحم وسنة محَّت العظم . فكأن العَظْم هو آخر مخزن من مخازن القوت في جسم الإنسان ساعة أن ينقطع عنه الطعام والشراب . والعظم في هذه الحالة يُوجِّه غذاءه للمخ خاصة ؛ لأنه ما دام في المخ بقية قبول حياة فما حدث للجسم من تلف قابل للإصلاح والعودة إلى طبيعته ، إذن : فسلامة الإنسان مرتبطة بسلامة المخ . لذلك نجد الأطباء في الحالات الحرجة يُركِّزون اهتمامهم على سلامة المخ ، ويرتبون عليه حياة الإنسان أو موته ، حتى إن توقف القلب فيمكنهم بالتدليك إعادته إلى حالته الطبيعية ، أما إنْ توقف المخ فهذا يعني الموت .