محمد متولي الشعراوي
9313
تفسير الشعراوي
وقوله تعالى : { فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تسعى } [ طه : 66 ] إذن : فحركة العِصِيّ والحبال ليستْ حركة حقيقية ، إنما هي تخيُّل { يُخَيَّلُ إِلَيْهِ } [ طه : 66 ] فيراها تسعى ، وهي ليست كذلك . وقد قال تعالى عن هؤلاء السحرة : { سحروا أَعْيُنَ الناس } [ الأعراف : 116 ] فجاءوا بأعمال تخيُّلية خادعة بأيِّ وسيلة كانت ، فالبعض يقول مثلاً : إنهم وضعوا بها الزئبق ، فلما حَمِيَتْ عليه الشمس تمدّد ، فصارتْ الأشياء تتلوّى وتتحرك ، فأياً كانت وسائلهم فهي مجرد تخيُّلات ، أمَّا الساحر نفسه فيراها حِبَالاً على حقيقتها ، وهذا هو الفرق بين سِحْر السحرة ، ومعجزة عصا موسى . والسحر يختلف عن الحِيَل التي تعتمد على خِفَّة الحركة والألاعيب والخُدَع ، فالسحر أقرب ما يكون إلى الحقيقة في نظر الرائي ، كما قال تعالى : { واتبعوا مَا تَتْلُواْ الشياطين على مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ ولكن الشياطين كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ الناس السحر } [ البقرة : 102 ] . إذن : هو فَنُّ يُتعلم ، يعطي التخييل بواسطة تسخير الجنِّ ، فهم الذين يقومون بكل هذه الحركات ، فهي إذن ليستْ حيلاً ولا خفة حركة ، إنما هي عملية لها أصول وقواعد تُدرَّس وتُتعَلَّم . والخالق عَزَّ وَجَلَّ حينما يعرض علينا قضية السحر ، وأنه عبارة عن تَسخير الشياطين لخدمة الساحر ، ويجعل لكل منهما القدرة على مضرّة الآخرين : الساحر بالسحر ، والشياطين بما لديهم من قوة التشكّل في الأشكال المختلفة والنفاذ من الحواجز ؛ لأن الجن خُلِقُوا من النار ، والنار لها شفافية تنفذ خلال الجدار مثلاً . أما الإنسان فَخُلِق من الطين ، والطين له كثافة ، وضربنا مثلاً