محمد متولي الشعراوي
9304
تفسير الشعراوي
وكان القاضي لا يقضي بأمر الخراج إلا بعد أنْ يطّلع على مقياس النيل ، فإنْ رآه يُوفي بريٍّ البلاد حدَّد الخراج وإلاَّ فلا . لكن ، لماذا اختار موسى هذه اليوم بالذات ؟ لماذا لم يحدد أي يوم آخر ؟ ذلك ؛ لأن موسى عليه السلام كان على ثقة تامة بنصر الله له ، ويريد أن تكون فضيحة فرعون على هذا الملأ ، ووسط هذه الجمع ، فمِثْل هذا التجمع فرصة لا يضيعها موسى ؛ لأن النفس في هذا اليوم تكون مسرورة منبسطة ، فهي أقرب في السرور لقبول الحق من أيٍّ وقت آخر . وقوله : { وَأَن يُحْشَرَ الناس ضُحًى } [ طه : 59 ] أي : ضاحين ، ويوم الزينة يمكن أن يكون في الصباح الباكر ، أو في آخر النهار ، لكن موسى متمكِّن واثق من الفوز ، يريد أن يتم هذا اللقاء في وضح النهار ، حتى يشهده الجميع . ثم يقول الحق سبحانه وتعالى : { فتولى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ } تولى : أي : ترك موسى وانصرف ليُدبِّر شأنه { فَجَمَعَ كَيْدَهُ } [ طه : 60 ] الكيد : التدبير الخفي للخَصْم ، والتدبير الخفيّ هنا ليس دليلَ قوة ، بل دليل ضَعْف ؛ لأنه قوةَ له على المجابهة الواضحة ، مثل الذي يدسُّ السُّم للآخر لعدم قدرته على مواجهته . إذن : الكيد دليل ضَعْف ؛ لذلك نفهم من قوله تعالى عن النساء : { إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ } [ يوسف : 28 ] أنه ليس دليلاً على قوة المرأة ، إنما دليلٌ على ضعفها ، فكما أن كيدهُنّ عظيم ، فكذلك ضعفُهن عظيم . فمعنى { فَجَمَعَ كَيْدَهُ } [ طه : 60 ] أدار فِكْره على ألوان الكَيْد